عماد الخطيب
تفتح العلاقة مع أفغانستان أمام روسيا مجالاً للتعاون الأمني والاقتصادي وتعزيز حضورها الإقليمي، لكن قدرتها على التأثير تظل مرتبطة بتوازن المصالح واستجابة الأطراف للتفاهمات.
تتقاطع في السياسة الروسية تجاه أفغانستان ثلاثة ملفات رئيسية: أمن آسيا الوسطى، والتواصل مع الحكومة القائمة في كابل، والمنافسة على النفوذ الإقليمي. ومن هذا التقاطع، تكتسب أفغانستان أهمية تتجاوز حجم العلاقات الثنائية، لتصبح جزءاً من حسابات موسكو بشأن استقرار محيطها الجنوبي ومكانتها في آسيا.
ويتيح الانخراط مع كابل لروسيا مناقشة المخاوف الأمنية مباشرة، واستكشاف فرص اقتصادية، والمشاركة في المبادرات الدبلوماسية المتعلقة بالبلاد. لكنه يضعها أيضاً أمام تحدي تحويل التقارب السياسي إلى تعاون يحدّ من المخاطر ويحقق مصالح مشتركة.
فالقدرة على الوصول إلى صناع القرار لا تعني بالضرورة القدرة على توجيه سياساتهم. كما أن التفاهم مع الحكومة الأفغانية لا يحسم وحده قضايا الجماعات المسلحة والخلافات الحدودية والتنافس بين القوى الإقليمية.
أمن آسيا الوسطى نقطة الانطلاق
تمثل التداعيات المحتملة للأوضاع الأفغانية على دول آسيا الوسطى أحد أهم دوافع الاهتمام الروسي. فهذه الدول ترتبط بموسكو بعلاقات أمنية واقتصادية، وأي اضطراب واسع قرب حدودها قد يفرض أعباء إضافية على ترتيبات التعاون الإقليمي.
ومن هذا المنظور، يوفر التواصل مع كابل قناة لتبادل التقديرات بشأن النشاط المسلح ومناقشة إجراءات احتوائه، إلى جانب الحفاظ على الاتصال في أوقات الأزمات.
ويمكن قراءة هذا الاهتمام أيضاً في ضوء حاجة روسيا إلى تجنب اتساع التحديات الأمنية، بينما تستنزف الحرب في أوكرانيا جانباً من مواردها واهتمامها السياسي والعسكري.
لكن فاعلية التعاون تتوقف على جودة المعلومات والقدرة على تنفيذ الالتزامات. فالتصريحات المشتركة بشأن مكافحة الإرهاب تحتاج إلى إجراءات ومتابعة، حتى تتحول إلى نتائج يمكن تقييمها.
التقارب مع طالبان.. مصالح مشتركة وتحفظات مستمرة
وسّعت موسكو اتصالاتها مع طالبان قبل عودة الحركة إلى السلطة، واستخدمت «منتدى موسكو» إطاراً للتشاور الإقليمي بشأن أفغانستان. وأتاح هذا المسار استمرار حضورها في الملف الأفغاني والتواصل مع أطرافه.
ويجمع النهج الروسي بين التعامل مع الحكومة القائمة وإبقاء المخاوف الأمنية ضمن جدول المحادثات. فالتعاون مع كابل يمكن أن يكون وسيلة لمعالجة التهديدات، من دون أن يعني زوال التحفظات بشأنها.
في المقابل، تسعى الحكومة الأفغانية إلى توسيع علاقاتها الخارجية وجذب فرص للتجارة والاستثمار. ويخلق ذلك مساحة لتبادل المصالح، لكنه لا يضمن تطابق الأولويات.
فموسكو تنظر إلى العلاقة ضمن حساباتها الإقليمية الأوسع، بينما تحاول كابل تنويع شركائها وتوسيع خياراتها. ولهذا، تبقى العلاقة قائمة على التفاوض بشأن المصالح، لا على تبعية سياسية تلقائية.
أفغانستان في الرؤية الروسية لأوراسيا
يشكل التوجه نحو تعزيز التعاون الأوراسي خلفية لفهم الاهتمام الروسي بأفغانستان. فقد أقرّ الرئيس فلاديمير بوتين، في مارس/آذار 2023، مفهوم السياسة الخارجية الروسية، الذي يؤكد أهمية التعددية القطبية والأطر الإقليمية، ومنها منظمة شنغهاي للتعاون والاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
وتقع أفغانستان عند تقاطع جغرافي يصل آسيا الوسطى بجنوب آسيا وإيران، ما يمنح تطوراتها صلة بمصالح النقل والتجارة والأمن في هذا الفضاء.
وفي هذا السياق، يمكن تفسير جانب من التحرك الروسي بأنه سعي للحفاظ على دور مؤثر في الترتيبات الإقليمية، والحد من فرص عودة حضور عسكري غربي قرب آسيا الوسطى.
غير أن المنافسة مع الغرب لا تفسر وحدها كل جوانب العلاقة. فهناك مصالح مباشرة تتعلق بتجنب الاضطراب وتوسيع المبادلات والحفاظ على قنوات التواصل، حتى عندما لا تكون واشنطن طرفاً مباشراً في الملف المطروح.
التوتر مع باكستان يختبر قدرة موسكو على التأثير
يضيف الخلاف بين كابل وإسلام آباد تعقيداً إلى المشهد الإقليمي. فتصاعد المواجهات يهدد حركة التجارة والعبور، ويزيد صعوبة التعاون بشأن الجماعات المسلحة، وقد يضعف فرص تنفيذ مشروعات تربط دول المنطقة.
وتمنح قنوات الاتصال الروسية مع الطرفين موسكو فرصة لاستكشاف مساحات للتهدئة ونقل الرسائل. لكن هذه الإمكانية تختلف عن وجود وساطة رسمية متفق عليها.
ويحتاج أي دور فعال إلى قبول الطرفين، وتحديد الالتزامات المطلوبة، ووضع آلية لمتابعتها. كما يتطلب التعامل مع التباين في تعريف مصادر التهديد والمسؤولية عن معالجتها.
ولهذا، فإن اختبار النفوذ الروسي في هذا الملف سيكون في قدرته على دعم خطوات تخفض التصعيد، وليس في عدد اللقاءات أو مستوى المسؤولين المشاركين فيها فقط.
الاقتصاد يوسّع العلاقة ولا يضمن الولاء
يمكن للتجارة والمشروعات الاقتصادية أن تمنح العلاقة الروسية الأفغانية استمرارية تتجاوز الاتصالات الأمنية. فالمصالح التجارية المنتظمة تخلق حوافز للحفاظ على الاستقرار وتسهيل التعاون.
لكن الأثر الفعلي لأي مشروع يرتبط بالتمويل والتنفيذ والبنية التحتية والقدرة على تحقيق عائد للطرفين. والإعلانات الاستثمارية، مهما بلغت قيمتها، لا تعادل مشروعات مكتملة أو تدفقات مالية فعلية.
كما أن كابل تتعامل مع شركاء متعددين، لكل منهم إمكاناته وأولوياته. وقد يتيح هذا التنوع للحكومة الأفغانية موازنة علاقاتها وتجنب الاعتماد الكامل على طرف واحد.
وبالتالي، فإن توسيع الحضور الاقتصادي الروسي قد يعزز التأثير، لكنه لا يمنح موسكو ضماناً بأن تتبنى كابل مواقفها في جميع القضايا.
دول آسيا الوسطى شريكة في صياغة التوازن
لا يمكن فهم الدور الروسي بمعزل عن خيارات دول آسيا الوسطى نفسها. فهذه الدول تتأثر مباشرة بالأوضاع الأفغانية، ولديها مصالح في أمن الحدود والتجارة والطاقة والنقل.
وقد يدفعها القلق الأمني إلى تعزيز التعاون مع موسكو، بالتوازي مع توسيع علاقاتها بشركاء آخرين. وهذا يعني أن الحضور الروسي يتفاعل مع قرارات دول المنطقة، ولا يتحدد بإرادة موسكو وحدها.
ومن الممكن أن يعزز التعاون الأمني مكانة روسيا، لكن ذلك لا يثبت أنها تضخّم التهديدات عمداً. فالحكم على هذا الجانب يحتاج إلى مقارنة التقديرات المعلنة بالوقائع والاستجابات الفعلية.
ويظل احترام أولويات الشركاء وتقديم تعاون مفيد عاملين أساسيين في استدامة أي نفوذ إقليمي.
من التواصل السياسي إلى نتائج ملموسة
تتيح العلاقة مع أفغانستان لروسيا الجمع بين الوقاية الأمنية والحضور الدبلوماسي والفرص الاقتصادية. لكنها تحمل أيضاً مخاطر المبالغة في تقدير ما يمكن أن يحققه التقارب مع سلطة واحدة في بيئة متعددة الأطراف والمصالح.
ويحتاج نجاح هذه المقاربة إلى تعاون يستمر عند ظهور الخلافات، ومشروعات تتجاوز مرحلة الإعلان، وتفاهمات أمنية تخضع للمتابعة والتقييم.
وسيُقاس الدور الروسي بقدرته على الإسهام في خفض التوتر وتوسيع المصالح المشتركة. أما بقاء الاتصالات دون نتائج عملية، فسيحافظ على حضور موسكو في المشهد الأفغاني، لكنه لن يكون كافياً لضمان استقرار المنطقة.

