عبد الكريم مصطفى
تفتح أحداث نورستان، شرقي أفغانستان، بابًا جديدًا للنقاش بشأن الاتهامات المتبادلة بين كابل وإسلام آباد حول استخدام أراضي البلدين لشن هجمات عبر الحدود. فالعملية التي نفذتها القوات الأفغانية، وما رافقها من نشر مقاطع تُظهر استسلام مسلحين، تضع أمام باكستان أسئلة تتعلق بقدرتها على ضبط حدودها، وبالأدلة التي تستند إليها في اتهام السلطات الأفغانية بدعم الجماعات المسلحة المناوئة لها.
وبحسب روايات نقلتها مصادر في المعارضة الأفغانية المسلحة، فإن عددًا من الموقوفين كانوا قد توجهوا إلى إيران بحثًا عن العمل، قبل استدراجهم إلى باكستان بوعود بتوفير وظائف. وتقول هذه المصادر إنهم وجدوا أنفسهم في معسكرات تدريب، ثم طُلب منهم التوجه إلى أفغانستان للقتال ضد الحكومة الحالية مقابل دعم مالي.
وتشير مقاطع الاستسلام وشهادات الأسرى، وفق هذه الروايات، إلى ضلوع الاستخبارات الباكستانية في تجنيد هؤلاء المسلحين وتدريبهم وتمويلهم. وهي اتهامات خطيرة، إذا ثبتت بأدلة قابلة للتحقق، فإنها تضع الأجهزة الباكستانية أمام مسؤولية مباشرة عن تجنيد أفغان وتوظيفهم في الصراع مع كابل.
وهنا يطرح سؤال نفسه: هل جرى تجنيد هؤلاء الأفغان بعلم السلطات الإيرانية، أم تمت العملية بعيدًا عنها، في ظل انشغالها بالحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وكيف تمكنت الاستخبارات الباكستانية من الوصول إلى هذا العدد الكبير من الأفغان في إيران؟
في المقابل، تحتاج اتهامات باكستان لكابل بإيواء عناصر حركة طالبان باكستان وتسهيل نشاطهم إلى أدلة واضحة. فلماذا لم يتمكن الجيش الباكستاني، منذ وصول طالبان إلى السلطة، من إحباط عمليات العبور إلى أراضيه واعتقال المتسللين، على غرار ما فعلته القوات الأفغانية في نورستان؟
وتبرز هنا مسألة ضبط الحدود؛ فباكستان تمتلك قدرات عسكرية واستخبارية تتجاوز إمكانات السلطات الأفغانية، فضلًا عن التحصينات ومنظومات المراقبة المنتشرة على امتداد أجزاء من الحدود. ومن ثم، فإن حديثها المتكرر عن عبور مسلحين يثير سؤالًا مشروعًا عن مواطن الخلل في هذه الإجراءات، ومسؤولية المؤسسات المكلفة بمنع التسلل.
ويُظهر نجاح القوات الأمنية الأفغانية في اعتراض مجموعة مسلحة في نورستان قدرتها على حماية حدودها، وإن كان نجاح عملية بعينها قد يرتبط بمعلومات مسبقة أو بظروف ميدانية محددة. وفي المقابل، لا يشكل اختراق الحدود الباكستانية، بمفرده، دليلًا على تواطؤ أجهزتها. لذلك، ينبغي أن تنصب المقارنة على كفاءة الإجراءات والمساءلة عن الإخفاقات، بعيدًا عن الاكتفاء بالمفاضلة بين حجم الترسانتين.
وتزداد الحاجة إلى هذه المساءلة في ضوء التصريحات المنسوبة إلى مسؤولين في خيبر بختونخوا بشأن تدخل جهات استخبارية لتسلّم موقوفين تتهمهم السلطات المحلية بالإرهاب. فمثل هذه الأقوال تستدعي توضيحًا مؤسسيًا وتحقيقًا في الوقائع، بدل تحويل الخلاف بشأن السياسات الأمنية إلى اختبار للولاء لباكستان أو لأفغانستان.
أما الجانب الأكثر إلحاحًا، فهو مصير الشبان الذين قد تجعلهم البطالة والغربة عرضة للاستدراج والتجنيد. وإذا صحت روايات استغلال وعود العمل لنقلهم إلى معسكرات التدريب، فإن القضية تتجاوز السجال بين الحكومتين إلى ضرورة كشف شبكات التجنيد وحماية المستهدفين بها.
لقد منحت أحداث نورستان كابل فرصة لتحدي الرواية الباكستانية، وطرحت سؤالًا مباشرًا: كيف تستطيع الطائرات الباكستانية الوصول إلى من تقول إنهم قادة حركة طالبان باكستان وعناصرها، وقصفهم في قندهار وكابل وخوست وكونر ولغمان وبكتيكا وبكتيا، بينما تعجز أجهزتها عن رصدهم أثناء عبور الحدود إلى باكستان؟
هل انقلب السحر على الساحر؟

