د.عبدالرازق عبدالوهاب الصافي-الرياض
لا يمكن فهم ظاهرة الثأر في أفغانستان، بمعزل عن طبيعة المجتمع القبلي وتاريخه الطويل مع الحروب، وضعف مؤسسات الدولة، وتداخل الأعراف القبلية مع الحياة اليومية، ولا سيما في المناطق الريفية التي ظلت فيها الجماعة القبلية والأسرة والوجهاء والمجالس العرفية “الجرگه” عناصر أساسية في تنظيم العلاقات وتسوية النزاعات.
وعلى مدى عقود من الصراع، تركت الحروب المتعاقبة آثاراً عميقة على بنية المجتمع، وأضعفت في مناطق عديدة قدرة المؤسسات الرسمية على الوصول الفعال إلى السكان وحسم النزاعات، الأمر الذي أتاح للأعراف المحلية أن تؤدي أدواراً تتجاوز أحياناً المجال الاجتماعي إلى مجالات العدالة والأمن وحل الخصومات.
وتزداد حساسية هذه المسألة في مجتمع تتعدد فيه الأسس القبلية والمحلية، وتتداخل فيه روابط القرابة والمصاهرة والتحالفات العشائرية مع المصالح المتعلقة بالأرض والمياه والمراعي والملكية. ففي مثل هذه البيئة، قد لا يبقى النزاع محصوراً بين شخصين؛ إذ يمكن أن ينتقل سريعاً إلى عائلتيهما أو جماعتين محليتين، أو قبيلتين كبيرتين، ثم يتحول بعد سقوط أول قتيل، إلى خصومة مفتوحة تتوارثها الأجيال.
ولذلك فإن الثأر في الحالة الأفغانية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد سلوك انتقامي فردي، وإنما باعتباره ظاهرة اجتماعية وأمنية تتقاطع فيها سلطة العرف مع سلطة الدولة، وتتداخل فيها قضايا العدالة والأمن والملكية والهوية المحلية.
ليس كل قتل ينتهي بدفن القتيل. ففي بعض المجتمعات، قد تكون لحظة الدفن هي البداية الحقيقية لقصة أخرى، تمتد من بيت إلى بيت، ومن قرية إلى قرية، ومن جيل إلى جيل. يموت رجل، لكن الخصومة لا تموت معه؛ بل قد تتحول دماؤه إلى دين اجتماعي تتناقله الأسرة، ويكبر مع الأطفال، ويصبح الانتقام جزءاً من الذاكرة الجماعية.
ففي أفغانستان، يمكن لخصومة تبدأ بسبب أرض أو ماء أو نزاع عائلي أن تتحول إلى سلسلة من أعمال العنف والثأر، بحيث يصبح السؤال ليس: من ارتكب الجريمة؟ بل: من ينتمي إلى عائلة الجاني؟
وهنا تكمن خطورة الظاهرة؛ فالثأر لا يمثل مجرد خلاف اجتماعي بين عائلتين، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة أمنية تقوّض الثقة بالقانون، وإلى مأساة اجتماعية تورّث الخوف والكراهية، وإلى عائق أمام التنمية والاستقرار.
عندما يتحول الدم إلى “دين” اجتماعي:
الثأر في مفهومه الاجتماعي هو ممارسة انتقامية يلجأ فيها فرد أو جماعة إلى معاقبة الجاني أو أقاربه خارج إطار القضاء الرسمي. وفي البيئات التي تترسخ فيها الأعراف القبلية، قد لا ينظر بعض الناس إلى الثأر باعتباره جريمة جديدة، وإنما باعتباره استرداداً للكرامة أو وفاءً لحق الجماعة. وهنا تتداخل مفاهيم الشرف والعزة والوفاء والانتماء العائلي مع منطق الانتقام.
وقد يكون الخطر الأكبر أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تعيش خصومة دموية لا يرث مجرد اسم العائلة، وإنما قد يرث معها قصة الثأر أيضاً. فيكبر وهو يعرف أن هناك “حقاً” لم يستوفَ، وأن هناك خصماً ينبغي الحذر منه، وأن حادثة وقعت قبل ولادته قد تحدد علاقته بأشخاص لم يرتكبوا أي جريمة في حقه. وهكذا تنتقل الخصومة من كونها حادثة جنائية محددة إلى ذاكرة اجتماعية مفتوحة على المستقبل.
من ضعف الدولة إلى (العدالة الخاصة):
لا يمكن تفسير استمرار الثأر بالعامل الثقافي وحده. فالثأر غالباً ما يجد بيئته الخصبة عندما يشعر الناس بأن الطريق إلى العدالة الرسمية طويل أو غير مضمون أو غير متاح. فحين تقع جريمة قتل، ثم لا تصل القضية إلى نتيجة واضحة، أو يتأخر القبض على المتهم، أو تتعطل إجراءات التقاضي، أو تعجز السلطات عن حماية أسرة المجني عليه، ينشأ فراغ يمكن أن تملأه آليات غير رسمية. ومن هنا يظهر أحد أخطر التحولات: انتقال المجتمع من الثقة بالقضاء إلى الثقة بالقوة الذاتية، ويصبح السلاح في هذه الحالة، بديلاً عن المحكمة، ويصبح الانتقام بديلاً عن الحكم القضائي، ويصبح نفوذ الجماعة بديلاً عن سلطة الدولة.
وهذا لا يضر بالضحية والجاني وحدهما، بل يضعف فكرة الدولة نفسها؛ لأن الدولة لا تستطيع أن تكون دولة قانون إذا أصبحت حياة المواطنين وحقوقهم رهناً بقدرة عائلاتهم على حماية أنفسهم واسترداد حقوقهم بالقوة.
الأرض والماء شرارة قد تشعل حرباً طويلة:
لا تبدأ الخصومات الدموية دائماً بجريمة قتل، ففي كثير من البيئات الريفية، قد تبدأ من نزاع على حدود أرض، أو حق في مياه الري، أو طريق، أو مرعى، أو ملكية عقار، أو خلاف تجاري، ثم تتطور مشادة بسيطة إلى إصابة أو قتل، وبعدها يدخل الطرفان في دائرة الانتقام.
وهنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً؛ لأن النزاع الأصلي قد يكون قابلاً للحل أمام القضاء أو عبر الوساطة، لكن دخول الدم إلى القضية يغيّر طبيعتها.
فالخلاف على قطعة أرض يمكن أن ينتهي بحكم قضائي، أما القتل فقد يفتح باباً لسلسلة جديدة من عمليات الانتقام، ولهذا فإن تسوية النزاعات العقارية والمائية ليست قضية تنموية فحسب، وإنما هي في بعض المناطق قضية أمن وسلام اجتماعي أيضاً.
الثأر لا يعرف حدوداً بين الجاني والبريء:
من أكثر الجوانب خطورة في منظومة الثأر اتساع دائرة الاستهداف، فبدلاً من أن تظل المسؤولية مرتبطة بالشخص الذي ارتكب الجريمة، قد تنتقل إلى إخوته أو أبنائه أو أبناء عمومته أو أفراد آخرين من أسرته. وهنا يتحول مبدأ المسؤولية الفردية (الشخصية العقوبة)، الذي تقوم عليه العدالة الجنائية الحديثة والشريعة الإسلامية، إلى مسؤولية جماعية مفترضة.
والنتيجة أن شخصاً قد يصبح مهدداً بالقتل لا لأنه ارتكب جريمة، وإنما لأنه يحمل اسم عائلة معينة، وبذلك لا يعود الثأر مجرد (رد على جريمة)، بل يصبح جريمة جديدة تبحث عن ضحية جديدة، وكل ضحية جديدة تنتج أسرة جديدة تحمل جرحاً جديداً، وقد تنتج بدورها رغبة جديدة في الانتقام، وهذه دائرة يصعب كسرها ما لم تتدخل سلطة قانونية واجتماعية ودينية قادرة على إيقافها.
حين تتحول القرى إلى أوكار الخوف والثأر:
لا يقتل الثأر الأشخاص فقط؛ بل يغير طريقة حياة المجتمعات، قد يخشى أفراد الأسرة مغادرة منازلهم، وقد يتجنب الأطفال الذهاب إلى المدارس، وقد يتوقف الشباب عن العمل في مناطق معينة، وقد تمتنع الأسر عن الزواج من عائلات مرتبطة بخصومة قديمة.
وفي الحالات الممتدة، قد تضطر بعض العائلات إلى ترك قراها وأراضيها والانتقال إلى مدن أو مناطق أخرى بحثاً عن الأمان، وهكذا يتحول النزاع من قضية بين شخصين إلى عامل من عوامل النزوح والفقر والتفكك الاجتماعي.
والأطفال هم من أكثرالفئات دفعاً للثمن؛ فالطفل الذي يفقد والده بسبب الثأر قد يفقد معه مصدر الدخل والحماية والتعليم، وقد ينشأ في بيئة مشبعة بالخوف والكراهية، فيصبح أكثر عرضة لإعادة إنتاج الثقافة التي صنعت المأساة أصلاً.
المرأة ضحية صامتة في تسويات الدم:
ومن أكثر الممارسات العرفية إثارة للقلق ما يعرف في بعض المناطق بممارسة(سوارة)، حيث تُجبر فتاة أو امرأة على الزواج من أحد أفراد أسرة أخرى ضمن تسوية نزاع أو خصومة دموية، ولا ينبغي الخلط بين هذه الممارسة وبين الدية أو الصلح المشروع؛ فالزواج في الشريعة الإسلامية يقوم على الرضا، ولا يجوز تحويل المرأة إلى أداة لمعالجة نزاع بين الرجال، كما أن تسوية النزاع لا تمنح المجتمع حق التضحية بحقوق امرأة لم ترتكب الجريمة.
ومن هنا فإن مكافحة الثأر لا تعني فقط منع القتل، بل تعني أيضاً حماية النساء والأطفال من أن يتحولوا إلى أوراق تفاوض في نزاعات لا علاقة لهم بها.
الثأر والتنمية علاقة لا تحظى بما يكفي من الاهتمام:
قد يبدو الثأر في ظاهره مشكلة اجتماعية، لكنه في الواقع يمكن أن يتحول إلى عائق اقتصادي وتنموي، فالأرض التي لا يستطيع صاحبها الوصول إليها بسبب خصومة دموية تصبح أرضاً معطلة. والمزرعة التي يخشى العاملون فيها من الاستهداف تفقد إنتاجيتها. والطريق الذي يصبح خطراً على أطراف نزاع مسلح قد يعزل قرية بأكملها.
كما أن تنفيذ مشروع مدرسة أو مستشفى أو طريق أو شبكة مياه في منطقة مضطربة أمنياً يصبح أكثر تكلفة ومخاطرة. وبذلك يمكن أن تتشكل حلقة مفرغة:
نزاع محلي ← عنف وثأر ← نزوح وتعطيل اقتصادي ← فقر وبطالة ← ضعف اجتماعي ومؤسسي← قابلية أكبر لاستمرار النزاع. ولهذا فإن مواجهة الثأر ينبغي ألا تُعامل باعتبارها ملفاً أمنياً منفصلاً عن التنمية، بل باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع لبناء مجتمع مستقر.
بين القصاص الشرعي والثأر القبلي:
وهنا تبرز ضرورة التمييز بوضوح بين مفهومين كثيراً ما يحدث الخلط بينهما: القصاص الشرعي والثأر القبلي، فالقصاص في الشريعة ليس رخصة للأفراد كي يقتلوا من يشاؤون، ولا يبرر قتل أقارب الجاني أو أفراد عشيرته، وإنما هو حكم شرعي منضبط له شروطه وأحكامه وإجراءاته، ولا يتحول إلى انتقام شخصي مفتوح.
أما الثأر القبلي القائم على قتل الأقارب وتوسيع دائرة الدم، فهو منطق مختلف تماماً؛ لأنه يحول الجريمة الفردية إلى مسؤولية جماعية، ويفتح الباب أمام جرائم متتابعة لا تنتهي.
ومن هنا فإن للعلماء والدعاة دوراً أساسياً ومحورياً في تفكيك التصورات الدينية الخاطئة التي قد تُستخدم لتبرير الانتقام، وبيان حرمة الدم، وحرمة الاعتداء على من لم يرتكب الجريمة، والتأكيد على أن إقامة الأحكام ليست مجالاً للفوضى والانتقام الفردي.
هل يمكن كسر دائرة الدم؟
نعم، لكن ذلك يحتاج إلى أكثر من نداءات المصالحة والحلول المؤقتة.
أولاً: قضاء أسرع وأكثر فاعلية: كلما شعر المواطن بأن حقه سيصل إليه عبر القضاء، تراجعت الحاجة إلى البحث عن بدائل انتقامية، ولذلك فإن تسريع البت في جرائم القتل والنزاعات العقارية والمائية، وتعزيز قدرة الأجهزة المختصة على تنفيذ الأحكام، وحماية الشهود وأطراف النزاع، كلها عناصر أساسية لمنع تحول الخلاف إلى ثأر.
ثانياً: ضبط السلاح غير القانوني: وجود السلاح في متناول أطراف الخصومة يجعل الانتقال من الخلاف الكلامي إلى القتل أسرع وأكثر سهولة، ولهذا فإن مكافحة انتشار السلاح غير المرخص، وفق سياسات قانونية عادلة وقابلة للتطبيق، تمثل جزءاً مهماً من استراتيجية الحد من العنف الأهلي.
ثالثاً: توظيف “الجرگه” (مجلس اعیان القبلیة لحل النزاعات) في اتجاه المصالحة: لا يمكن تجاهل البنية الاجتماعية الأفغانية عند معالجة هذه الظاهرة، فالمجالس المحلية والوجهاء والعلماء وشيوخ القبائل يمكن أن يكونوا جزءاً من الحل، خصوصاً في المناطق التي تحظى فيها الوساطة المجتمعية بقبول واسع. لكن المطلوب هو نقل هذه الوساطة من مجرد تسوية مؤقتة إلى صلح موثق يحظى بالحماية القانونية ويمنع تجدد النزاع.
رابعاً: حماية النساء ومنع تسويات الإكراه: ينبغي أن تكون حماية المرأة والطفل جزءاً أصيلاً من أي مصالحة مجتمعية، وألا تستخدم الزيجات القسرية أو تسليم النساء باعتبارها وسيلة لتسوية الدم، فالصلح الذي ينهي قتل رجل عبر ظلم امرأة لا يمثل حلاً كاملاً للنزاع، وإنما ينقل الظلم من ضحية إلى أخرى.
خامساً: التعليم والتنمية: التعليم لا يلغي الأعراف الاجتماعية بين ليلة وضحاها، لكنه يفتح أمام الأجيال الجديدة مفاهيم مختلفة للعدالة والمواطنة وحل النزاعات، كما أن تحديث سجلات الأراضي، وحسم النزاعات العقارية، وتحسين إدارة المياه، وتوفير فرص العمل، ليست مجرد إجراءات اقتصادية؛ بل يمكن أن تكون أدوات للوقاية من النزاعات قبل أن تتحول إلى دماء.
أفغانستان بحاجة إلى مصالحة مع القانون قبل أن تصالح المتخاصمين
إن أخطر ما في الثأر أنه يجعل الماضي حاكماً على المستقبل، قد يولد طفل أفغاني في قرية لم يسمع فيها عن سبب الخصومة القديمة، لكنه يكبر وهو يعرف أن هناك عائلة (خصماً)، وأن دماً قديماً لم يُغلق ملفه بعد. وهكذا يصبح التاريخ عبئاً ينتقل من الآباء إلى الأبناء، لا باعتباره درساً يتعلم منه المجتمع، بل باعتباره ديناً يطالب الجيل الجديد بسداده. وهنا تكمن المعركة الحقيقية: ليست فقط في منع رصاصة جديدة، وإنما في منع ولادة عقلية جديدة تحمل الرصاصة في ذاكرتها.
إن كسر دائرة الثأر في أفغانستان يتطلب استعادة الثقة بالعدالة، وإعادة تعريف العلاقة بين العرف والقانون، وتفعيل دور العلماء والوجهاء، وحماية النساء والأطفال، وتسوية النزاعات على الأرض والماء، وربط الأمن بالتنمية والتعليم.
فالسلام الحقيقي لا يعني أن تتوقف البنادق مؤقتاً، بل أن تتوقف العائلات عن توريث أبنائها أسماء القتلى وخرائط بل خطط الخصومة.
وعندما يصبح اللجوء إلى المحكمة أسرع من اللجوء إلى السلاح، ويصبح الصلح أقوى من الرغبة في الانتقام، ويصبح العرف سنداً للقانون لا بديلاً عنه، عندها فقط يمكن أن تتحول خصومة الدم من إرثٍ يطارد الأجيال إلى ماضٍ يختار المجتمع أن يطوي صفحته.

