بعد أكثر من قرن على بدايات توليد الكهرباء في أفغانستان، لا تزال البلاد تواجه تحدياً أساسياً: توفير إمدادات مستقرة تكفي المنازل والمرافق العامة وتتيح للصناعة التوسع. وبين الاعتماد على الواردات وضعف البنية التحتية، تطرح خطة استثمارية تستهدف إنشاء قدرات كهربائية تبلغ 10 آلاف ميغاواط طموحاً لتغيير واقع القطاع.
غير أن المسافة بين الإعلان وتحقيق هذا الهدف تتوقف على تأمين التمويل، وتنفيذ محطات التوليد وشبكات النقل، وبناء منظومة قادرة على إيصال الكهرباء إلى المستهلكين بتكلفة يمكن تحمّلها.
بداية مبكرة وتوسع محدود
تعود إحدى أبرز بدايات الكهرباء في أفغانستان إلى محطة جبل السراج شمال كابل، التي بدأ بناؤها عام 1911 واكتملت عام 1918، بقدرة تقارب 1.5 ميغاواط. وكانت تمد القصر الملكي ومباني عامة وورشاً حكومية بالكهرباء، وفق موسوعة إيرانيكا
وخلال العقود الأولى من القرن العشرين، امتدت منشآت التوليد الصغيرة إلى مدن أخرى، بينها قندهار وهرات، لكن القدرة الإجمالية بقيت محدودة، ولم تتجاوز نحو 3 ميغاواط بحلول عام 1940.
وتوسعت البنية الكهربائية لاحقاً مع إنشاء محطات وسدود، لكن الحروب والاضطرابات السياسية وتعثر الاستثمار والصيانة أعاقت استمرارية تطوير القطاع. وظل التحدي قائماً في تحويل المشروعات المتفرقة إلى منظومة تربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك وتواكب احتياجات الاقتصاد.
اعتماد على الخارج وفجوة في الإمدادات
يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن القطاع الخاص في أفغانستان إلى أن التوليد المحلي، الذي يعتمد أساساً على الطاقة الكهرومائية، يوفر أقل من ربع الإمدادات الكهربائية، بينما تأتي الحصة المتبقية من دول مجاورة، بينها أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وإيران.
ويميز التقرير بين الحصول على قدر من الكهرباء والاتصال بالشبكة العامة؛ إذ تعتمد أسر كثيرة على أنظمة شمسية منزلية ومصادر منفصلة عن الشبكة. ولذلك لا تعني إتاحة الإنارة بالضرورة توافر طاقة مستقرة تكفي المصانع أو المرافق الكبيرة. وتساعد الواردات على سد العجز، لكنها تجعل استقرار الإمدادات مرتبطاً أيضاً بقدرة الدول المصدّرة وجاهزية خطوط الربط والاتفاقيات التجارية. ويزداد أثر أي اضطراب عندما تكون البدائل المحلية محدودة، فتتحمل المنشآت نفقات إضافية لتشغيل المولدات أو تقليص ساعات العمل.
خطة باستثمارات معلنة تبلغ 10 مليارات دولار
في الثاني من أغسطس/آب 2025، وقّعت وزارة الطاقة والمياه الأفغانية وشركة «عزيزي للطاقة» مذكرة تفاهم بشأن استثمار معلن بقيمة 10 مليارات دولار، يشمل توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها، بقدرات مستهدفة تصل إلى 10 آلاف ميغاواط.
وبحسب الإعلان الحكومي، تعتمد الخطة على مزيج من الغاز والفحم والطاقة الكهرومائية والشمس والرياح، وتستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي وإتاحة التصدير خلال سبع إلى عشر سنوات.
ويتضمن التصور المعلن تخصيص 4 آلاف ميغاواط للاستخدام العام و6 آلاف ميغاواط للمصانع، بما يربط توسع قطاع الكهرباء بطموح لزيادة الإنتاج الصناعي. وهذه أهداف واردة في مذكرة التفاهم، وليست قدرات دخلت الخدمة أو نتائج اقتصادية تحققت بالفعل.
ويعكس تخصيص حصة كبيرة للصناعة تصوراً يتجاوز تحسين الإمدادات المنزلية. فالكهرباء المستقرة يمكن أن تدعم الصناعات الغذائية والإسمنت والمنسوجات والتعدين، لكن توسع هذه الأنشطة يحتاج كذلك إلى التمويل والنقل والمهارات والأسواق.
ما الذي انتقل إلى التنفيذ؟
في 21 يوليو/تموز 2026، نقل مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عن رئيس الشركة ميرويس عزيزي قوله إن شركته أمّنت المعدات الفنية اللازمة للخطة، وإن نقلها إلى أفغانستان سيبدأ قريباً.
وأشار الإعلان نفسه إلى اكتمال دراسات الجدوى وتوقيع اتفاقيات شراء الكهرباء لثلاثة مشروعات شمسية: بقدرة 100 ميغاواط في نغلو، و100 ميغاواط في باريكاب، و131 ميغاواط في غزني.
وتشير هذه الخطوات إلى تقدم في الإعداد لبعض مكونات البرنامج، لكنها لا تعني تشغيل المحطات أو اكتمال القدرة المستهدفة. فشراء المعدات وتوقيع العقود يسبقان مراحل الإنشاء والاختبارات والربط بالشبكة والتشغيل التجاري.
ومن ثم، فإن تقييم التقدم يحتاج إلى بيانات دورية عن التمويل المنجز، ونسب التنفيذ، ومواعيد التشغيل، والكهرباء التي تصل فعلياً إلى المستهلكين.
موارد كبيرة وشروط للاستفادة منها
تمتلك أفغانستان إمكانات واسعة للطاقة المتجددة. ويورد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تقديرات تبلغ نحو 222 ألف ميغاواط للطاقة الشمسية و67 ألف ميغاواط لطاقة الرياح. لكنها تقديرات لإمكانات الموارد، وليست محطات قائمة أو قدرات يمكن استغلالها جميعاً بالجدوى نفسها.
ويتطلب تحويل هذه الموارد إلى مشروعات دراسات للمواقع، وتقييماً للتكلفة، وتمويلاً طويل الأجل، وقواعد واضحة لشراء الكهرباء وتسعيرها. كما تفرض طبيعة كل مصدر متطلبات مختلفة لضمان انتظام الإمدادات.
ولهذا لا يكفي جمع القدرات الاسمية للمحطات لقياس ما سيحصل عليه المستهلك. فالقدرة المركبة تُقاس بالميغاواط، بينما تتحدد كمية الكهرباء المنتجة خلال العام بساعات التشغيل وتوافر المورد وكفاءة المحطات والشبكة.
شبكة النقل جزء من المشروع
لن تحقق زيادة التوليد أثرها الكامل إذا لم تتزامن مع تطوير خطوط النقل ومحطات التحويل وشبكات التوزيع. فالمطلوب إيصال الكهرباء من مواقع إنتاجها إلى المدن والمناطق الصناعية والأرياف، مع الحد من الفاقد وتحسين موثوقية الخدمة.
ويبرز مشروع «كاسا-1000» أهمية الربط الإقليمي في هذا السياق، إذ صُمم لنقل الكهرباء الكهرومائية من آسيا الوسطى إلى أسواق جنوب آسيا عبر أفغانستان.
وبحسب وثيقة للبنك الدولي صادرة في مارس/آذار 2025، استؤنفت أعمال الإنشاء في الجزء الأفغاني في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2024، مع توقع استكماله بحلول نهاية 2027، ومخاطر قد تؤثر في الجدول الزمني.
ويمثل الربط الإقليمي مساراً مكملاً للتوليد المحلي؛ إذ يمكن للبلاد الاستفادة من التبادل الكهربائي بالتوازي مع توسيع قدرتها على الإنتاج، بدلاً من التعامل مع الاستيراد والاكتفاء الذاتي باعتبارهما خيارين متعارضين بالضرورة.
من إعلان القدرة إلى قياس الأثر
يفتح برنامج الـ10 آلاف ميغاواط احتمالاً لتحول واسع في قطاع الطاقة الأفغاني، لكن نجاحه سيعتمد على تنفيذ المشروعات واستدامتها المالية والفنية، وليس على حجم الاستثمار المعلن وحده.
وسيظهر أثره في مؤشرات ملموسة: انخفاض ساعات الانقطاع، وتحسن الخدمة في المستشفيات والمدارس، واتساع قدرة المصانع على الإنتاج، ووصول الكهرباء إلى مناطق محرومة منها.
وبعد أكثر من قرن على محطة جبل السراج، يبقى التحدي هو بناء منظومة تستمر في العمل والتوسع. وعندها يمكن أن تتحول زيادة إنتاج الكهرباء إلى فرص عمل وخدمات أفضل وقاعدة أوسع للتنمية الاقتصادية.

