الملف الأفغاني
في عام 1965، فازت أربع نساء بمقاعد في مجلس النواب الأفغاني، في سابقة فتحت أمام المرأة باب المشاركة في المؤسسة التشريعية. فمن كابل إلى هرات وقندهار، حملت رقية حبيب أبو بكر، وأناهيتا راتبزاد، وخديجة أحراري، ومعصومة عصمتي وردك تجاربهن في التعليم والطب والإعلام إلى قاعة البرلمان، بعد حصولهن على ثقة الناخبين.
وبعد أكثر من ستة عقود، تستعيد سير هؤلاء النساء أهمية تتجاوز توثيق إنجاز فردي؛ فهي تضيء مرحلة أتاح فيها القانون للمرأة التصويت والترشح، وتكشف في الوقت نفسه هشاشة المكاسب السياسية أمام الحروب والتحولات المتعاقبة في السلطة.
دستور فتح الطريق
مهّد دستور عام 1964، في عهد الملك محمد ظاهر شاه، لمشاركة النساء في الانتخابات تصويتا وترشحا، ضمن إصلاحات سياسية ارتبطت بما عُرف بـ«عقد الديمقراطية».
لكن الاعتراف القانوني لم يكن كافيا لتجاوز جميع العوائق الاجتماعية. فقد ظلت فرص المشاركة متفاوتة بين المدن والأرياف، وبين البيئات التي اتسع فيها تعليم الفتيات وتلك التي بقي حضور المرأة في المجال العام محدودا.
وبحسب دراسة لمعهد البحوث والتقييم الأفغاني، كانت مشاركة النساء في انتخابات عام 1965 تتركز أساسا في المدن، فيما كانت محدودة للغاية أو شبه غائبة خارجها. ومع ذلك، أفضت الانتخابات إلى وصول أربع نساء إلى مجلس النواب، لتتحول الحقوق الدستورية إلى تمثيل سياسي فعلي. [المصدر: معهد البحوث والتقييم الأفغاني.
رقية حبيب أبو بكر.. من التعليم والإذاعة إلى التشريع
بدأت رقية حبيب أبو بكر مسيرتها في التعليم والعمل الثقافي والإعلامي، وهي مجالات أسهمت في توسيع حضور النساء في الحياة العامة الأفغانية.
درست في كابل، وعملت معلمة، وتولت رئاسة تحرير مجلة «ميرمن»، كما عملت في النشر لدى جمعية الهلال الأحمر، وكانت من أوائل الأصوات النسائية في الإذاعة الأفغانية.
وحين انتُخبت نائبة عن كابل عام 1965، انتقلت إلى البرلمان بخبرة في مخاطبة الجمهور والعمل التربوي والثقافي. وقد جسّدت مسيرتها الصلة بين اتساع فرص التعليم والعمل وبين قدرة النساء على خوض المنافسة السياسية.
أمضت رقية السنوات الأخيرة من حياتها خارج أفغانستان، وتوفيت في الولايات المتحدة عام 2002.
أناهيتا راتبزاد.. من الطب إلى المواقع القيادية
جمعت أناهيتا راتبزاد بين العمل الطبي والنشاط السياسي. وُلدت عام 1931 في منطقة غولدارا بولاية كابل، ودرست التمريض في الولايات المتحدة قبل أن تحصل على شهادة الطب من جامعة كابل، لتصبح من أوائل الطبيبات الأفغانيات.
انتُخبت عضوة في مجلس النواب عن كابل عام 1965، بالتزامن مع اتساع النقاش حول تعليم المرأة وعملها ودورها في المجتمع.
ولاحقا، برزت في الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني، وأسهمت في تأسيس منظمة المرأة الديمقراطية، كما تولت مناصب وزارية ودبلوماسية وقيادية.
غير أن مسيرتها لا تنفصل عن الانقسامات التي طبعت تاريخ أفغانستان المعاصر؛ فقد كانت شخصية فاعلة في التيار اليساري، وارتبط نشاطها بمراحل سياسية لا تزال موضع خلاف. ومن ثم، فإن قراءة تجربتها تتطلب النظر إلى دورها في توسيع مشاركة النساء، وإلى موقعها في الصراع السياسي الأوسع.
توفيت راتبزاد في ألمانيا عام 2014، ودُفنت في كابل.
خديجة أحراري.. صوت هرات في البرلمان
دخلت خديجة أحراري مجلس النواب ممثلة عن هرات، لتؤكد أن المشاركة السياسية النسائية لم تكن محصورة في العاصمة.
ارتبطت تجربتها بقطاع التعليم؛ إذ عملت معلمة في مدرسة الملكة جلالي للبنات في هرات، قبل فوزها بمقعد نيابي عام 1965.
ومقارنة بزميلاتها، تبقى المعلومات المتاحة عن حياتها ومواقفها البرلمانية ومسيرتها اللاحقة محدودة. ويكشف هذا النقص فجوة في توثيق تاريخ المرأة الأفغانية، لا تقل أهمية عن توثيق لحظة وصولها إلى المؤسسة التشريعية.
فحفظ هذه التجارب يتطلب تتبع العمل الذي أنجزته النساء داخل المؤسسات، والقضايا التي دافعن عنها، والعوائق التي واجهنها، إلى جانب تسجيل أسمائهن في قوائم النواب.
معصومة عصمتي وردك.. التعليم مدخلا إلى العمل العام
شكّل التعليم محور تجربة معصومة عصمتي وردك، التي جمعت بين التدريس والمشاركة في الشأن الدستوري والعمل السياسي.
درست في مدرسة ملالاي، ثم واصلت تعليمها الجامعي ودراساتها في التربية، وعملت في التدريس وشاركت في أنشطة اللجنة الاستشارية الدستورية.
وفي انتخابات عام 1965، فازت بمقعد عن قندهار، لتصبح واحدة من النساء الأربع اللواتي دخلن مجلس النواب آنذاك. ثم تولت لاحقا وزارة التعليم ورئاسة اللجنة الوطنية لليونسكو.
وتبرز مسيرتها الدور الذي أدّته المؤسسات التعليمية في إعداد نساء انتقلن من العمل المهني إلى المشاركة في إدارة الشأن العام. وقد أمضت سنواتها الأخيرة في فرنسا، حيث توفيت عام 2007.
مكاسب لم تتقدم في مسار متصل
لم يؤسس وصول النساء الأربع إلى البرلمان لتوسع متواصل في التمثيل النسائي. ففي انتخابات عام 1969، لم تفز أي امرأة بمقعد في مجلس النواب. وبعد أربع سنوات، أنهى انقلاب محمد داود خان عام 1973 التجربة البرلمانية القائمة، مع تعليق عمل البرلمان.
وخلال العقود التالية، تأثر حضور النساء بالحروب والانقلابات وتبدل أنظمة الحكم. وبينما تولت نساء مناصب رسمية في بعض المراحل، ضاقت فرص المشاركة في مراحل أخرى، ولا سيما خلال الحرب الأهلية وحكم طالبان الأول في التسعينيات.
وبعد عام 2001، اتسعت مجددا مساحة المشاركة السياسية؛ فدخلت النساء البرلمان والحكومة، وشاركن في العمل المدني والانتخابات. كما نص دستور عام 2004 على تخصيص مقاعد للنساء في مجلس النواب، بما وفّر ضمانة دستورية لتمثيلهن.
لكن عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 أحدثت تحولا حادا، مع غياب البرلمان المنتخب واستبعاد النساء من المواقع الحكومية القيادية. ويوثق «مؤشر النوع الاجتماعي لأفغانستان 2024»، الصادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة عام 2025، انعدام التمثيل النسائي في مجلس الوزراء والمناصب العليا للوزارات على المستويين الوطني والمحلي.
تاريخ يطرح سؤال الحماية والاستمرار
تكشف تجارب الرائدات الأربع أن مشاركة المرأة في السياسة الأفغانية لها جذور سبقت التحولات التي شهدتها البلاد بعد عام 2001 بعقود. كما تظهر أن الاعتراف بالحقوق، على أهميته، لا يكفل وحده استمرارها في غياب مؤسسات قادرة على حمايتها.
لقد دخلت هؤلاء النساء البرلمان عبر صناديق الاقتراع، في مجتمع كانت المشاركة النسائية فيه تواجه قيودا واسعة. واليوم، تعيد سيرهن طرح سؤال أساسي: كيف يمكن صون حق النساء في التمثيل وصنع القرار، بحيث لا يبقى رهنا بتغير الحكومات وموازين السلطة؟
إن استعادة قصصهن تحفظ جزءا من الذاكرة السياسية لأفغانستان، وتذكّر بأن النساء كنّ شريكات في تاريخ مؤسساتها، وأن غيابهن عن مواقع القرار يمثل انقطاعا عن تجارب مشاركة عرفتها البلاد بالفعل.

