خلافات الحلفاء، واحتجاجات المعيشة، وقضية عمران خان تضغط على حكومة شهباز شريف، بينما تمنح التغييرات الدستورية والتشريعية القيادة العسكرية موقعًا أكثر رسوخًا في بنية الدولة.
تواجه باكستان توترات سياسية متزامنة تعيد فتح النقاش حول استقرار حكومة شهباز شريف، وحدود الشراكة بين الأحزاب المدنية والمؤسسة العسكرية. فالخلافات داخل الائتلاف الحاكم تتقاطع مع احتجاجات على الأعباء المعيشية، وتحركات معارضة مرتبطة بمصير رئيس الوزراء السابق عمران خان، وجدال متصاعد بشأن إعادة تنظيم الأقاليم. وتأتي هذه التطورات بعدما شهدت البلاد تغييرات قانونية عززت صلاحيات القيادة العسكرية وأعادت ترتيب جانب من العلاقة بين مؤسسات الدولة.
لكن جمع هذه الأزمات تحت عنوان «السقوط الوشيك للحكومة» يتجاوز ما تسمح به الوقائع المتاحة. فالتصعيد بين الشركاء قد يكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض داخل السلطة، والاحتجاج الشعبي لا يتحول تلقائيًا إلى أغلبية قادرة على تغييرها. أما التحول الأكثر وضوحًا، فيتعلق بتثبيت صلاحيات عسكرية واسعة في نصوص دستورية وتشريعية، بما يجعل السؤال عن مستقبل الحكم أوسع من بقاء رئيس الوزراء أو رحيله.
بدأت إحدى موجات الجدل الأخيرة مع تصريحات وزير الداخلية محسن نقوي بشأن تعثر نظام الإدارة والحاجة إلى إنشاء وحدات إدارية جديدة. وفي الخامس من سبتمبر/أيلول 2026، أوضح نقوي أن مقصده هو إصلاح الاختلالات وتحسين الحوكمة، وأن إنشاء وحدات جديدة ينبغي أن يستند إلى رغبة المواطنين. وأثارت هذه الطروحات اعتراضات لدى حزب الشعب، خصوصًا في ما يتعلق بوضع إقليم السند ووحدته.
تكمن حساسية المسألة في أن الحدود الإدارية في باكستان ترتبط بالتمثيل السياسي والهوية وتوزيع الموارد. ولذلك فإن تقديم إنشاء أقاليم جديدة باعتباره إجراءً لتحسين الخدمات لا يزيل آثاره السياسية، ولا يبدد مخاوف القوى التي قد تتراجع قدرتها على التأثير نتيجة إعادة التقسيم.
وفي المقابل، لا تكفي تصريحات الوزير لإثبات وجود قرار نهائي بإعادة رسم الخريطة الاتحادية. فالتعديل الذي يمس حدود إقليم يتطلب، بموجب المادة 239 من الدستور، موافقة ثلثي مجموع أعضاء مجلس ذلك الإقليم، إلى جانب المسار البرلماني للتعديل الدستوري. وهذا يمنح المؤسسات الإقليمية دورًا لا يمكن اختزاله في موقف الحكومة الفيدرالية.
ويمثل هذا الخلاف أحد أوجه التوتر بين الرابطة الإسلامية الباكستانية بقيادة شهباز شريف وحزب الشعب بقيادة بلاول بوتو زرداري. فقد حذر بلاول، خلال الحملة الانتخابية في كشمير الخاضعة للإدارة الباكستانية أواخر يوليو/تموز، من أن التلاعب بالانتخابات سيبدأ «العد التنازلي» للحكومة الفيدرالية. وكان التحذير مرتبطًا بالمنافسة الانتخابية وموقع حزبه فيها، قبل أن يصبح جزءًا من النقاش الأوسع بشأن تماسك التحالف الحاكم.
يكشف هذا الخطاب عن صعوبة الجمع بين التحالف في المركز والتنافس على النفوذ في الأقاليم. فحزب الشعب يحتاج إلى حماية مصالحه وقاعدته الانتخابية، لكنه يوازن أيضًا بين مكاسب البقاء شريكًا في الترتيب القائم وتكاليف الانتقال إلى مواجهة مفتوحة. وتحتاج الرابطة الإسلامية، بدورها، إلى استمرار التفاهم مع حلفائها دون أن تبدو عاجزة عن إدارة الحكومة.
لذلك، فإن المؤشر الحاسم على تفكك الائتلاف سيكون انتقال الخلاف من التصريحات إلى خطوات عملية، مثل سحب الدعم البرلماني أو تعطيل التشريعات الأساسية أو الاتفاق على بديل حكومي. أما ارتفاع سقف الخطاب وحده، فيبقى قابلًا للاحتواء عبر المساومات وتبادل التنازلات.
وتواجه الحكومة ضغطًا من خارج هذه المعادلة أيضًا، يتصدره حزب حركة الإنصاف وقضية مؤسسه عمران خان. ففي 18 أغسطس/آب 2026، أمرت المحكمة العليا بنقله إلى مستشفى خاص لإجراء فحوص طبية، ثم طلبت السلطات مراجعة الأمر في اليوم التالي. وبذلك انتقل الخلاف بشأن رعايته الصحية إلى مواجهة قضائية ذات أثر سياسي مباشر.
ولم يُغلق الملف عند هذا الحد. ففي جلسة 16 سبتمبر/أيلول، طلبت المحكمة العليا مساعدة قانونية من النائب العام بشأن اختصاص المحكمة الدستورية الفيدرالية بالنظر في القضية واستدعاء سجلاتها. وتكشف هذه التطورات أن النزاع يتصل كذلك بتوزيع الاختصاصات داخل القضاء، في ظل البنية القضائية الجديدة.
بالنسبة إلى حركة الإنصاف، تتيح القضية حشد المؤيدين حول مطلب محدد يتعلق بحقوق زعيمها وظروف احتجازه. لكنها تطرح على الحزب تحديًا أوسع: مدى قدرته على ربط هذا المطلب بقضايا الحريات والمشاركة السياسية والأوضاع المعيشية، بما يجذب فئات تتجاوز قاعدته التقليدية.
وقد أعلن الحزب مسيرة باتجاه إسلام آباد في 27 سبتمبر/أيلول 2026 للمطالبة بالإفراج عن خان. وفي 14 سبتمبر، وجّهت المحكمة العليا في إسلام آباد رؤساء حكومات الأقاليم إلى ضمان عدم استخدام أجهزة الدولة الإقليمية في الاحتجاجات. ويعكس ذلك انتقال جانب من المواجهة إلى حدود استخدام السلطة المحلية في التعبئة ضد الحكومة الفيدرالية.
وبالتوازي، تقود الجماعة الإسلامية احتجاجات على الرسوم المفروضة على المنتجات النفطية، وأعلنت تحركًا نحو العاصمة في 20 سبتمبر/أيلول. كما عقد ممثلوها لقاءً مع وزراء في الحكومة يوم 15 سبتمبر لمناقشة الملف، ما يشير إلى استمرار الاحتجاج والتفاوض في الوقت نفسه.
وتمنح المطالب المعيشية الاحتجاجات قدرة محتملة على تجاوز الانقسامات الحزبية؛ إذ تمس تكلفة الوقود النقل والعمل وأسعار السلع. غير أن تزامن الاحتجاجات لا يعني توحد القوى المنظمة لها. فالأحزاب تختلف في أولوياتها وقواعدها الاجتماعية وعلاقاتها بمؤسسات الدولة، وقد تتفق على الضغط على الحكومة دون أن تتفق على برنامج للحكم أو آلية لإدارة المرحلة التالية.
من هنا، ينبغي قياس قوة التنسيق المعارض بقدرته على إنتاج مطالب مشتركة واستراتيجية متماسكة، لا بعدد اللقاءات أو حدة البيانات. وتظل قدرة الحكومة على التفاوض مع كل طرف على حدة عاملًا مهمًا في منع تحول الضغوط المتفرقة إلى أزمة سياسية شاملة.
وفي خلفية هذه التجاذبات، يبرز التحول في موقع قائد الجيش المشير عاصم منير. فقد جمع التعديل الدستوري السابع والعشرون بين منصبي قائد الجيش وقائد قوات الدفاع، وألغى منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة. كما أقر الاحتفاظ برتبة المشير وامتيازاتها مدى الحياة، وأحال في شأن الحماية القانونية المقررة لها إلى الأحكام الدستورية ذات الصلة بالرئيس. وهذه تغييرات تتجاوز إعادة توزيع المهام اليومية إلى إعادة تشكيل موقع القيادة العسكرية العليا.
ثم جاء قانون قوات الدفاع، الصادر في 20 أغسطس/آب 2026، ليحدد إطارًا تنفيذيًا أوسع. فنص على إنشاء مقر لقوات الدفاع تحت قيادة قائدها، ومنحه القيادة والسيطرة العملياتية على القوات المسلحة، وجعله المستشار العسكري الرئيسي لرئيس الوزراء في شؤون الأمن القومي والدفاع. وفي الوقت نفسه، نص القانون على مسؤوليته أمام الحكومة الفيدرالية في ما يتعلق بتلك القيادة والسيطرة.
وهذا التوازن في النص مهم لفهم المسألة دون مبالغة: فالقانون يوسع مركزية القيادة العسكرية، لكنه لا ينص على إلغاء سلطة الحكومة المدنية أو إحلال حكم عسكري مباشر محلها. والسؤال السياسي هو مدى قدرة المؤسسات المدنية على ممارسة الرقابة والمساءلة بصورة فعلية، في ظل اتساع صلاحيات الطرف العسكري.
تتيح هذه التغييرات قراءة المشهد باعتباره انتقالًا نحو نفوذ عسكري أكثر تقنينًا. فاستمرار البرلمان والحكومة والأحزاب لا يمنع تمركز قدر كبير من التأثير في مؤسسة أخرى. وقد تصبح المنافسة المدنية، في مثل هذا الترتيب، محكومة بحدود يصعب على الفاعلين المنتخبين تغييرها.
لكن الاستنتاج بوجود خطة محسومة لإقامة نظام رئاسي أو ضمان قيادة شخص واحد لعقد أو أكثر يحتاج إلى أدلة إضافية. فالاحتفاظ برتبة عسكرية مدى الحياة لا يساوي تلقائيًا البقاء في المنصب التنفيذي نفسه، كما أن توسيع صلاحيات القيادة لا يثبت وحده وجود قرار بتغيير شكل النظام السياسي. والأدق متابعة مشروعات القوانين والمواقف الرسمية وآليات التعيين والمساءلة، بدل التعامل مع السيناريوهات البعيدة باعتبارها وقائع مقررة.
كذلك لا تعفي هذه القراءة الأحزاب المدنية من المسؤولية. فإقرار التعديلات عبر المؤسسات السياسية يجعل مواقف القوى التي دعمتها جزءًا أساسيًا من تفسير التحول. ويقتضي تقييم العلاقة المدنية العسكرية فحص ما تكسبه الأحزاب من الشراكة القائمة، وما تقبله من قيود مقابل الاستمرار في السلطة أو إبعاد منافسيها.
أما العامل الأمني، فيضيف ضغطًا مختلفًا. ففي مواجهة التهديدات المسلحة، قد تتزايد المطالب بتوحيد القرار وتسريع الاستجابة. غير أن الكفاءة الأمنية والرقابة المدنية ليستا هدفين متعارضين بالضرورة. ويتوقف الاستقرار المستدام على قدرة الدولة على الجمع بين حماية السكان ومعالجة المظالم المحلية وتوفير قنوات للتمثيل السياسي، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها الهشاشة الاقتصادية والنزاعات الأمنية.
وأمام هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاث مسارات، من دون الجزم بموعد تحقق أي منها. الأول هو استمرار الحكومة عبر احتواء خلافات الحلفاء والتفاوض الانتقائي مع المحتجين، مع بقاء النفوذ العسكري المتعزز جزءًا من بنية الحكم. ويظل هذا المسار ممكنًا ما دامت كلفة تفكيك التحالف أعلى لدى شركائه من كلفة المحافظة عليه.
أما المسار الثاني، فيتمثل في إعادة ترتيب السلطة المدنية تحت ضغط متزايد: تعديل حكومي، أو تفاهمات سياسية جديدة، أو تسويات في بعض الملفات المتنازع عليها. وقد يغيّر ذلك مواقع الأحزاب والأشخاص دون أن يغيّر جوهر العلاقة مع المؤسسة العسكرية.
ويتمثل المسار الثالث في اتساع الأزمة إذا تزامنت قطيعة داخل الائتلاف مع تعبئة معارضة واسعة وتدهور أمني أو معيشي حاد. عندها قد تصبح أدوات الاحتواء المعتادة أقل فاعلية، وتزداد احتمالات المواجهة أو التنازلات الكبيرة. لكن تحقق هذا المسار يتطلب اجتماع عوامل لا يكفي وجود أحدها منفردًا لإنتاجه.
وتحمل التطورات آثارًا إقليمية، خصوصًا لإيران وأفغانستان. فمن الناحية التحليلية، قد يسهّل وضوح مركز القرار العسكري بعض أشكال التنسيق الأمني، لكنه لا يضمن استقرار العلاقات أو معالجة الخلافات الحدودية. كما أن اضطراب الداخل الباكستاني قد يضغط على التجارة وحركة السكان والتعاون الحدودي. ولذلك، فإن تقييم الانعكاسات الإقليمية ينبغي أن يستند إلى السياسات والقدرة على تنفيذها، لا إلى افتراض أن تركّز السلطة ينتج الاستقرار تلقائيًا.
ما تختبره باكستان اليوم هو قدرة نظامها السياسي على تحويل الخلاف إلى تفاوض ومساءلة، في وقت تتعزز فيه صلاحيات القيادة العسكرية وتزداد الضغوط على الحكومة المدنية. وقد ينجو الائتلاف من أزمة جديدة، لكن معيار الاستقرار الأعمق سيظل مرتبطًا بفاعلية البرلمان، واستقلال القضاء، وإمكان تداول السلطة، وقدرة المواطنين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم. فبقاء الحكومة لا يكفي وحده لإثبات سلامة التوازن بين مؤسسات الدولة.

