داود ياسر
بعد أن كانت أفغانستان في قلب السياسة الدولية لأكثر من عقدين، تراجعت إلى هامش جدول الأعمال العالمي. لم تنته أزمتها، بل تحولت من طارئ يستدعي التعبئة الدولية إلى واقع مزمن يجري احتواؤه بأقل الموارد الممكنة، بينما يدفع الأفغان ثمن حروب وتحولات دولية لم يكونوا طرفاً فيها.
قبل سنوات قليلة فقط، كان أي تطور أمني أو سياسي في أفغانستان كفيلاً بأن يتصدر نشرات الأخبار العالمية. كانت اجتماعات حلف شمال الأطلسي تناقشها، والانتخابات الأميركية تتجادل بشأنها، والعواصم الأوروبية تتابع تطوراتها، فيما كانت مليارات الدولارات والجيوش والمؤسسات الدولية مرتبطة بصورة مباشرة بمستقبل البلاد.
أما اليوم، فقد تغير المشهد جذرياً.
الحرب انتهت بالنسبة إلى القوى الغربية، وغادر آخر الجنود الأميركيين كابل في أغسطس/آب 2021، لكن الأزمة التي تركتها وراءهم لم تنته. انتقلت فقط من ساحات القتال إلى موائد الأسر، ومن نشرات الأخبار إلى المستشفيات التي تعاني نقص التمويل، ومن العمليات العسكرية إلى البطالة والجوع والهجرة وحرمان ملايين الفتيات من التعليم.
والأكثر خطورة أن معاناة بهذا الحجم لم تعد تثير الاستنفار الدولي الذي كانت تثيره في السابق.
في عام 2026، يحتاج نحو 21.9 مليون شخص، أي قرابة 45% من سكان أفغانستان، إلى مساعدات إنسانية، فيما تستهدف خطة الاستجابة الدولية 17.5 مليون شخص وتحتاج إلى نحو 1.71 مليار دولار. ومع ذلك، لا تتجاوز نسبة تمويل الخطة حاليا نحو 30%، مع فجوة تقدر بنحو 1.2 مليار دولار.
هذه المفارقة تلخص التحول الذي طرأ على علاقة العالم بأفغانستان: الحاجة ما تزال هائلة، لكن الشعور الدولي بالإلحاح تراجع.
من قضية دولية إلى أزمة هامشية
لم تكن أفغانستان خلال العقدين الماضيين مجرد دولة تعاني حرباً داخلية، بل أصبحت جزءاً مركزياً من منظومة السياسة الدولية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
دخلت الولايات المتحدة الحرب، تبعها حلفاؤها في حلف شمال الأطلسي، وانتشرت القوات الأجنبية في البلاد، وأنفقت القوى الغربية مئات المليارات من الدولارات على الحرب وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
لذلك لم يكن اهتمام العالم بأفغانستان في تلك المرحلة مدفوعاً بالاعتبارات الإنسانية وحدها، بل لأنها ارتبطت مباشرة بالأمن القومي للدول الغربية وبما عُرف بـ”الحرب على الإرهاب”.
عندما انتهى الوجود العسكري، تغيرت المعادلة.
خرجت أفغانستان تدريجياً من دائرة الأمن القومي الغربي المباشر، وتراجعت أهميتها في الحسابات السياسية للعواصم التي كانت قبل سنوات فقط تعتبر استقرارها أولوية استراتيجية.
لكن أفغانستان لم تحصل في المقابل على مرحلة انتقالية اقتصادية مستقرة تسمح لها بالاعتماد على نفسها.
وهكذا انتهى الاهتمام العسكري بصورة أسرع بكثير من انتهاء الاعتماد الاقتصادي والإنساني.
أفغانستان تدفع ثمن حروب لم تخضها
ربما تكون هذه أكثر مفارقات الوضع الأفغاني اليوم قسوة.
فأفغانستان ليست طرفاً في الحرب الروسية الأوكرانية، ولم تشارك في حرب غزة، وليست طرفاً في الصراع الإيراني الأميركي أو التوترات في الشرق الأوسط، ولا في المنافسة الاستراتيجية المتصاعدة بين واشنطن وبكين.
لكن كل أزمة من هذه الأزمات تنافس أفغانستان بصورة غير مباشرة على مورد بات نادراً: الاهتمام الدولي والمال السياسي والإنساني.
الأمم المتحدة نفسها تقر بأن المشهد الإنساني العالمي تغير، وأن تعدد الأزمات الكبرى أدى إلى تنافس شديد على التمويل المحدود، ما دفع أفغانستان إلى التراجع على قائمة أولويات المانحين. وفي عام 2025 لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية الأفغانية سوى على 42% من التمويل المطلوب، الأمر الذي أجبر المؤسسات الإنسانية على تقليص نطاق عملها جغرافياً وحصر مساعداتها في الحالات الأكثر خطورة.
وهذا يعني أن طفلاً يعاني سوء التغذية في بدخشان أو غور أو هلمند قد يتأثر بصورة غير مباشرة بحرب تقع على بعد آلاف الكيلومترات منه.
ليس لأنه طرف فيها، بل لأن الموازنة الإنسانية نفسها أصبحت موزعة على عدد متزايد من الكوارث والحروب.
وقد أشار تقييم مستقل للمساعدات البريطانية إلى أفغانستان إلى مخاوف من تحول البلاد إلى “أزمة منسية”، مع تراجع التمويل تحت تأثير إرهاق المانحين والمنافسة مع أزمات أخرى، خصوصاً أوكرانيا وغزة.
وبهذا المعنى، يدفع الأفغان ثمن تحولات في النظام الدولي لم يكن لهم دور في صنعها.
عندما يصبح الجوع خبراً قديماً
الحرب المفاجئة خبر. الزلزال خبر. سقوط مدينة خبر. تغيير النظام خبر.
لكن الطفل الذي يعاني سوء التغذية للعام الرابع على التوالي ليس بالضرورة خبراً جديداً.
وهنا تكمن إحدى آليات “تطبيع الأزمة”.
فعندما تتكرر الصور نفسها سنوات طويلة، تبدأ قدرتها على الصدمة بالتراجع: أطفال يعانون الجوع، عائلات تعيش بالدَّين، نساء محرومات من العمل، فتيات خارج المدارس، عائدون من إيران وباكستان بلا مساكن، ومستشفيات تكافح لتقديم الحد الأدنى من الخدمات.
تتحول المأساة تدريجياً من حدث استثنائي إلى خلفية ثابتة.
وتكشف الأرقام أن المشكلة لم تتراجع لمجرد اختفائها من العناوين الرئيسية.
فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لم يتمكن نحو 74% من الأفغان، أي قرابة 28 مليون شخص، من تلبية احتياجاتهم الأساسية خلال عام 2025. وفي الوقت نفسه، انخفض إجمالي المساعدات الدولية لأفغانستان بنسبة 16.5% خلال العام نفسه.
الأزمة، إذن، أصبحت أقل ظهوراً لا أقل حدة.
اقتصاد نما.. والفرد أصبح أفقر
قد يبدو المشهد الاقتصادي متناقضاً.
فبعد الانهيار الكبير الذي أعقب أغسطس/آب 2021، سجل الاقتصاد الأفغاني نمواً متواضعاً خلال عامين متتاليين. لكن هذا النمو لم يكن كافياً لتغيير حياة السكان.
سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنحو 1.9% في 2025، لكن الزيادة السكانية كانت أسرع، مما أدى إلى انخفاض الناتج الحقيقي للفرد بنحو 2.1%. وبقيت مستويات الدخل أدنى بكثير مما كانت عليه عام 2020.
وهذا يعني ببساطة أن الاقتصاد قد يكبر على الورق بينما يصبح المواطن أكثر فقراً.
ويواجه القطاع الخاص نقص التمويل، وضعف النظام المصرفي، وعدم اليقين التنظيمي، ونقص الطاقة، ومحدودية الاستثمار، إضافة إلى القيود المفروضة على مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية.
لذلك فإن المساعدات الغذائية، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها معالجة جذور المشكلة.
يمكن لكيس من الدقيق أن يمنع أسرة من الجوع هذا الشهر، لكنه لا يوفر وظيفة للأب في الشهر المقبل.
ويمكن لعيادة ممولة دولياً أن تنقذ مريضاً، لكنها لا تصنع نظاماً صحياً وطنياً مستداماً إذا كان التمويل يتراجع عاماً بعد عام.
من التنمية إلى إبقاء الناس على قيد الحياة
قبل عام 2021، كانت المساعدات الدولية لأفغانستان تشمل -رغم كل أوجه القصور والفساد والمشكلات السياسية- تمويل الدولة ومشروعات التنمية والبنية التحتية والتعليم والصحة والمؤسسات العامة.
أما اليوم، فقد أصبحت الأولوية بصورة متزايدة هي إنقاذ الأرواح ومنع الانهيار.
وهذا تحول جوهري.
فالهدف لم يعد في كثير من الأحيان السؤال: كيف يمكن للاقتصاد الأفغاني أن ينمو؟
بل: كيف يمكن منع ملايين الأشخاص من السقوط في الجوع؟
ولم يعد السؤال: كيف تُبنى المؤسسات الصحية والتعليمية؟
بل: كيف يمكن إبقاء العيادات الحالية مفتوحة؟
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن تخفيض التمويل أدى بالفعل إلى إغلاق أكثر من 440 منشأة صحية أو تقليص خدماتها خلال 2025، فيما ارتفعت نسبة الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى الرعاية الصحية.
وفي النصف الأول من 2026، سجلت المؤسسات الإنسانية مزيداً من إغلاق نقاط الخدمات وتعليق برامج وتقليص التغطية الجغرافية واضطراب سلاسل الإمداد بسبب نقص الأموال.
هذه ليست مجرد أزمة تمويل؛ إنها انتقال تدريجي من محاولة بناء دولة قادرة على الوقوف على قدميها إلى إدارة مجتمع في حالة طوارئ مستمرة.
ملايين يعودون إلى بلد لا يملك القدرة على استيعابهم
وتزداد المفارقة قسوة مع ملف المهاجرين.
ففي الوقت الذي يتراجع فيه الدعم الدولي لأفغانستان، أعادت إيران وباكستان ملايين الأفغان إلى البلاد.
ووفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية اللاجئين، عاد إلى أفغانستان منذ عام 2023 أكثر من ستة ملايين شخص، بينهم نحو 2.9 مليون خلال عام 2025 وحده.
هؤلاء يعودون إلى اقتصاد يعاني أصلاً نقص الوظائف والسكن والخدمات والمياه.
أكثر من تسعة من كل عشرة من العائدين، بحسب تقييم أممي، غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، بينما لا تتجاوز نسبة من يملكون وظائف رسمية في بعض المناطق التي تستقبل أعداداً كبيرة من العائدين 3%.
وهكذا تواجه أفغانستان معادلة يصعب احتمالها: موارد دولية أقل، وسكان أكثر، وعائدون بالملايين، واقتصاد لا ينمو بالسرعة المطلوبة لاستيعابهم.
وهي مرة أخرى تتحمل نتائج قرارات سياسية اتخذت خارج حدودها.
العالم لم يقاطع طالبان.. لكنه لم يطبع معها أيضاً
على المستوى السياسي، نشأ خلال السنوات الخمس الماضية وضع غير مسبوق.
غالبية الدول لم تمنح سلطات طالبان اعترافاً دبلوماسياً رسمياً، بينما أصبحت روسيا أول دولة تعترف بها رسمياً في يوليو/تموز 2025. وفي الوقت نفسه، تتعامل دول كثيرة مع السلطات الموجودة في كابل بصورة عملية عبر الاتصالات الدبلوماسية والتجارة والأمن والمساعدات والمشاريع الإقليمية.
وهكذا ظهر نوع من التعامل من دون تطبيع كامل.
الدول لا تريد تحمل الكلفة السياسية للاعتراف، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن طالبان هي السلطة الفعلية التي يجب التفاوض معها بشأن الحدود والمهاجرين والأمن والتجارة والمساعدات.
وهذا الوضع غيّر طبيعة القضية الأفغانية.
فبدلاً من البحث المستمر عن تغيير سياسي سريع، أصبحت دول كثيرة تركز على إدارة الواقع القائم ومنع مخاطره من العبور إلى خارج أفغانستان.
أي أن السؤال الدولي تحول تدريجياً من: “كيف نحل الأزمة الأفغانية؟” إلى: “كيف نمنع الأزمة الأفغانية من التأثير علينا؟”
وهذا فارق بالغ الأهمية.
أخطر مرحلة: حين تصبح الأزمة طبيعية
ليست أسوأ الأزمات دائماً تلك التي تنفجر فجأة.
أحيانا تكون الأزمة الأخطر هي التي تستمر طويلاً بما يكفي حتى يعتاد الجميع عليها.
إذا مر عام على إغلاق مدارس الفتيات، كان الأمر أزمة.
ثم مر عام ثان وثالث ورابع وخامس.
ومع مرور الزمن يظهر خطر أن يتحول الاستثناء إلى واقع مألوف.
وينطبق الأمر ذاته على الفقر والجوع والهجرة.
حين يحتاج عشرون مليون شخص تقريباً إلى مساعدات سنة بعد أخرى، قد تتحول الأرقام الضخمة نفسها إلى مجرد أرقام مألوفة.
وحين يسمع المانح أن أفغانستان تحتاج مرة أخرى إلى مليار أو ملياري دولار، قد لا يشعر بالإلحاح نفسه الذي شعر به في بداية الأزمة.
وهذا تحديداً ما يجعل “إرهاق المانحين” خطيراً.
فالأزمة لم تتحسن؛ العالم فقط أصبح أقل دهشة بها.
وقد حذر المجلس النرويجي للاجئين في سبتمبر/أيلول 2026 من أن أفغانستان، التي كانت في قلب الاهتمام الدولي قبل أغسطس/آب 2021، تراجعت بشدة عن الأجندة العالمية رغم تفاقم الاحتياجات الإنسانية، واعتبر أن ملايين الأفغان أصبحوا يتحملون نتائج الانسحاب وتراجع الدعم الدولي.
أفغانستان ليست بحاجة إلى صدقة دائمة
المشكلة في استمرار النموذج الحالي أنه قد يحول أفغانستان إلى بلد يعيش بصورة دائمة على حافة الكارثة.
كل شتاء تطلق حملة لجمع الأموال.
كل جفاف تُطلب مساعدات جديدة.
كل موجة عودة للاجئين تحتاج إلى استجابة طارئة.
ثم يبدأ العام التالي بالدائرة نفسها.
هذا ليس حلاً.
المساعدات الإنسانية يجب أن تستمر لأنها تنقذ الأرواح، لكن الأمم المتحدة نفسها تؤكد أن أفغانستان تحتاج إلى ما هو أبعد من الإغاثة: وظائف، واستثمارات محلية، وتمويل للقطاع الخاص، ومياه وطاقة، وبنية تحتية، وحماية اجتماعية، ونظام صحي وتعليمي قادر على الاستمرار.
فالهدف ينبغي ألا يكون فقط إبقاء الإنسان حياً، بل منحه القدرة على العيش من دون مساعدات.
ضحية تغير الأولويات الدولية
من الخطأ القول إن كل مشكلات أفغانستان جاءت من الخارج، كما سيكون من الخطأ تجاهل مسؤولية السلطات الأفغانية والسياسات الداخلية.
لكن من الصعب أيضاً تجاهل حقيقة تاريخية أكثر اتساعاً: كانت أفغانستان لعقود ساحة تتقاطع فيها سياسات القوى الكبرى، ثم تركت لتتعامل مع نتائج تلك السياسات عندما تغيرت أولويات هذه القوى.
حين كان أمن الغرب يتطلب وجوده في أفغانستان، كانت البلاد في قلب العالم.
وحين انتهت الأولوية العسكرية، تراجع الالتزام السياسي والمالي بسرعة أكبر من قدرة أفغانستان على الوقوف على قدميها.
واليوم، عندما تندلع أزمات في أوكرانيا أو الشرق الأوسط أو مناطق أخرى، تجد أفغانستان نفسها في منافسة على الموارد مع نزاعات لم تشارك فيها.
لا يعني ذلك أن ضحايا تلك الحروب أقل استحقاقاً للمساعدة.
بل يعني أن النظام الإنساني الدولي يعاني عجزاً يجعل الضحايا في أماكن مختلفة يتنافسون عملياً على الموارد نفسها.
وهنا يصبح السؤال أخلاقياً بقدر ما هو سياسي: هل يفقد الإنسان حقه في اهتمام العالم لأن أزمته قديمة؟
من إدارة الأزمة إلى منع توريثها
المشكلة الأفغانية لم تعد أزمة واحدة.
إنها مجموعة أزمات مترابطة: اقتصاد هش، وفقر واسع، وانعدام أمن غذائي، وتعليم معطل لملايين الفتيات، وبطالة، وهجرة وعودة قسرية، ونقص مياه، وتغير مناخي، وعزلة مالية، وأزمة شرعية سياسية وعلاقات غير مستقرة مع العالم.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول هذه المشكلات إلى ميراث لجيل جديد.
فالطفلة التي لا تدخل المدرسة اليوم لن تستعيد سنوات تعليمها بعد عقد بسهولة.
والطفل الذي يعاني سوء التغذية قد يحمل آثاره الصحية طوال حياته.
والشاب الذي يقضي سنوات بلا تعليم أو وظيفة يصبح أكثر ميلاً إلى الهجرة أو الانخراط في الاقتصاد غير الرسمي.
أي أن ثمن تجاهل الأزمة اليوم قد يكون أعلى بكثير بعد عشرة أعوام.
هل اعتاد العالم على أفغانستان؟
إلى حد بعيد، نعم.
ليس لأن معاناة الأفغان انتهت، وإنما لأن الأزمة أصبحت طويلة ومألوفة، ولأن العالم أصبح أكثر ازدحاماً بالحروب والكوارث، ولأن أفغانستان لم تعد تحتل الموقع نفسه في حسابات الأمن الغربي الذي احتلته خلال الحرب.
لكن هذا الاعتياد ليس محايداً.
فعندما يتراجع الاهتمام، يتراجع التمويل. وعندما يتراجع التمويل، تغلق العيادات وتتوقف البرامج ويقل الغذاء الذي يصل إلى الأسر. وعندما تصبح حالة الطوارئ مزمنة، يبدأ العالم في إدارة آثارها بدلاً من معالجة أسبابها.
أفغانستان اليوم ليست طرفاً في كثير من الصراعات الدولية التي تستهلك موارد العالم واهتمامه، لكنها تجد نفسها مرة أخرى تدفع جزءاً من الثمن.
ولهذا لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو لماذا تستمر الأزمة الأفغانية.
السؤال هو: هل يقبل العالم أن تصبح حياة ملايين الأفغان في حالة طوارئ دائمة لمجرد أن أزمتهم لم تعد جديدة؟
فاللحظة الأكثر خطورة في حياة أي مأساة ليست بالضرورة لحظة انفجارها، بل ربما اللحظة التي تستمر فيها المعاناة نفسها، ثم يعتاد الآخرون رؤيتها.
وعندها لا تنتهي الأزمة.
إنها فقط تختفي من الشاشة.

