الخميس, أغسطس 20, 2026
لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الأخبار
  • تقارير خاصة
  • تقدير موقف
  • دراسات تحليلية
  • المناجم و التعدين
  • من نحن
  • الأخبار
  • تقارير خاصة
  • تقدير موقف
  • دراسات تحليلية
  • المناجم و التعدين
  • من نحن
لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
الرئيسية تقارير خاصة

ولاية الفقيه كأيديولوجيا سياسية دينية ـ قراءة في الجذور الفكرية والخطاب وآليات الانتشار. ملف

بواسطة بامير كريم
أغسطس 20, 2026
0
0
تشارك
Share on Facebook
Share on Twitter

المقدمة

شهدت إيران منذ عام 1979 تشكل نموذج سياسي يستند إلى تداخل المرجعية الدينية مع السلطة السياسية، عبر نظرية ولاية الفقيه التي أصبحت الركيزة الفكرية والدستورية للنظام الإيراني. ولم تعد هذه النظرية مجرد اجتهاد فقهي في إطار الفكر السياسي الشيعي، بل تطورت إلى منظومة أيديولوجية متكاملة تحدد مفهوم الشرعية، وآليات الحكم، ودور المؤسسة الدينية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، فضلاً عن صياغة رؤية خاصة تجاه النظام الدولي ومفاهيم الهوية والسيادة والمقاومة.

وتكتسب دراسة ولاية الفقيه أهمية خاصة لأنها تمثل الإطار الفكري الذي تستند إليه العديد من السياسات والخطابات والمؤسسات داخل الجمهورية الإسلامية، كما أنها تؤثر في طبيعة الخطاب الديني والسياسي الذي تنتجه إيران في محيطها الإقليمي والدولي. ومن ثم، فإن فهم هذه النظرية لا يقتصر على تحليل أبعادها الفقهية، بل يمتد إلى دراسة كيفية تحولها إلى أيديولوجيا للدولة، وإلى منظومة لإنتاج الشرعية السياسية، وصياغة الهوية، وبناء الخطاب التعبوي، وتوجيه أدوات التأثير الفكري والثقافي.

وينطلق هذا الملف من مقاربة تحليلية تتجاوز السجال السياسي المباشر، وتركز على تفكيك البنية الفكرية لولاية الفقيه، والكشف عن مرتكزاتها العقائدية، وآليات إنتاجها للخطاب الأيديولوجي، وأدوات انتشارها، مع التمييز بين النظرية بوصفها اجتهاداً في الفكر السياسي الشيعي، وبين ممارسات الدولة الإيرانية وسياساتها. كما يسعى الملف إلى تقديم قراءة علمية تستند إلى تحليل المفاهيم والخطاب والمؤسسات، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو المقاربات الأيديولوجية المضادة، بما يسهم في بناء فهم أكثر عمقاً لأحد أكثر النماذج الفكرية تأثيراً في منطقة الشرق الأوسط خلال العقود الأربعة الماضية.

1ـ ولاية الفقيه ـ الجذور الفكرية والتحولات العقائدية

شهد الفكر السياسي الشيعي تطورًا تدريجيًا، متأثرًا بالتحولات الدينية والاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط. وبينما ركزت  الطائفة الإمامية تاريخيًا على الدور الديني للفقهاء خلال عصر غيبة الإمام، برزت العديد من الاجتهادات المختلفة بشأن حدود تدخلهم في إدارة شؤون المجتمع والدولة. وقد شكلت هذه التطورات الأساس الفكري للنقاشات التي سبقت الثورة الإيرانية عام 1979، وأسهمت في إعادة صياغة العلاقة بين المرجعية الدينية والسلطة السياسية ضمن إطار نظري جديد تمثل في ولاية الفقيه.

 

تطور الفكر السياسي الشيعي قبل “الثورة الإيرانية”

– الإمامة: يٌقصد بها أن الخلافة بحسب النص الديني يجب أن تكون من بعد الصحابي “علي بن أبي طالب” وفي ولديه “الحسن والحسين” ( رض)، وأن تستمر في بعض ذرية الأخير حتى الإمام الأخير الثاني عشر. الإمامة عند الشيعة الإمامية ليست مجرد منصب سياسي أو حُكم زمني يُختار بالحكام أو بالشورى، بل هي امتداد روحي وتشريعي. من أهم الركائز الأساسية للإمامة هي: “النص والتعيين الإلهي، العصمة، العلم الإلهي، الولاية والقيادة”.

– الغيبة: يعتقد الشيعة أن الإمام الأخير “محمد العسكري” ولد في العام 256 هجري، وأنه غاب غيبة أولى عقب وفاة أبيه الإمام “الحسن العسكري” سنة 260 للهجرة، ويسمونها “الغيبة الصغرى” وكان يتصل خلالها بالناس عبر سفراء له، ثم كانت “غيبته الكبرى” في العام 329 هجري، بانقطاع أخباره، وأنه دخل سردابًا في دار أبيه بسرّ ولم يخرج إلى الآن. ويعتقدون أنه سيكون له رجعة يعيد عبرها تصويب ما اعوج بإعادة السلطة إلى أهلها عبر تسلمه إياها مجددا، وعندها تعود للحياة السياسية شرعيتها وللرسالة الإسلامية سلامتها.

–المرجعية: تقتصرالمرجعية على طبقة فقهية محددة من العلماء الكبار يسمون بالمراجع، و هم أعلى مرتبة دينية في المذهب الشيعي الإثني عشري وغيرهم من رجال الدين ذوي المناصب الرفيعة، بمن فيهم آيات الله، مرجعيات أخلاقية وروحية تمتد إرشاداتها لتشمل الشؤون الدينية والسياسية على حد سواء. تتقرر “مرجعيتهم” بشهادة بعضهم لبعض بالعلم والورع، وعلى كل فرد من الناس أن يقلد من يعتقد بأنه “الأعلم” من هؤلاء العلماء.

– حدود سلطة الفقيه التقليدية:تشكلت عبر القرون صيغة فقهية انتظارية، تقول إن السلطة الشرعية الكاملة مؤجلة إلى زمن ظهور الإمام، وأن وظيفة الفقيه تقتصر على ما هو “حسبي” فقط، أي على إدارة الشؤون الدينية والاجتماعية للمجتمع. ومع أن هذا المبدأ تم خرقه وتجاوزه في مراحل متقدمة، إلا أن مبدأ الانتظار ظل ثابتًا وأصيلًا في الفكر السياسي الشيعي. في القرن التاسع عشر أدخل “فقه الانتظار” في أزمة عميقة، لأن العالم الإسلامي حينئذ أصبح جزءًا من النظام العالمي، ولم يعد ممكنًا الاكتفاء بالحياد السياسي أو الانسحاب من المجال العام. مكافحة الإرهاب والتطرف في أوروبا: المفهوم، الاستراتيجيات، والتحديات الأمنية

نشأة نظرية “ولاية الفقيه”

الخلفيات الفقهية: يُستخدم مصطلحا “الولي الفقيه” و”المرشد الأعلى” في النظام السياسي الإيراني للدلالة على المنصب القيادي الأعلى المستند إلى نظرية “ولاية الفقيه”. ويُنسب التأصيل الفقهي الأول لهذه النظرية إلى الشيخ “أحمد النراقي” في العام 1829 في كتابه “عوائد الأيام”، قبل أن يعيد الإمام “الخميني” تطويرها ويطرحها بصيغتها السياسية المعاصرة. تُطبَّق عمليًا عقب قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العام 1979، لتصبح الأساس الدستوري الذي يقوم عليه نظام الحكم في إيران. شكلت النظرية تطورًا كبيرًا في نظام المرجعية الدينية الذي نشأ عند الشيعة الإمامية في عصر ما يسمونه غيبة الإمام الثاني عشر وطيلة مقاطعتهم للأنظمة السياسية الإسلامية المختلفة.

– اجتهادات العلماء: يبذل الفقيه لشروط الاجتهاد أقصى وسعه لاستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، بالاعتماد على المصادر المعتمدة في الفقه الشيعي. يٌرى أن باب الاجتهاد مفتوح في عصر غيبة “الإمام المهدي”، وأن الحاجة إليه مستمرة لمواجهة الأحداث المستجدة، ولذلك يشترطون في الفقيه بلوغ مرتبة الاجتهاد ليكون مؤهلًا للإفتاء والتقليد. يشكل الاجتهاد أساسًا لمرجعية الفقيه، ومن خلاله يستنبط الأحكام الشرعية التي يرجع إليها المكلَّفون في شؤون عباداتهم ومعاملاتهم، كما استُند إليه في بعض الاتجاهات الفقهية لتأصيل نظرية “ولاية الفقيه” في إدارة الشأن العام خلال عصر الغيبة.

– دور “روح الله” الخميني في إعادة صياغة النظرية: يقول المرشد السابق آية الله علي خامنئي: “كان للخميني إبداعات كثيرة منها تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ابتكر هذه الفكرة وأدخلها في مجال النظريات السياسية المختلفة، وفي ذلك الوقت، كانت هناك نظريات سياسية مختلفة في الشرق والغرب، لكنه لم يبتكر نظرية الجمهوریة الإسلامية فحسب بل حققها. هذا هو العمل العظيم للإمام”. وأوضح أن أساس إنشاء هذه النظرية وتحقيقها كان معرفة الخميني العميقة بالإسلام، فقد كان ملما بالإسلام ويعرف أن السيادة الإسلامية مرتبطة برسالة الإسلام الرئيسية وكان له إيمان عميق بالناس”.  الأمن القومي الألماني ـ لماذا تصاعدت التهديدات الإيرانية المباشرة ضد الساسة الألمان؟

 “ولاية الفقيه” المطلقة

– مفهوم “ولاية الفقيه”: تقوم على منح الفقيه الجامع لشروط الاجتهاد والعدالة ولايةً عامةً في عصر غيبة الإمام المعصوم، بما يخول له إدارة شؤون الدولة والمجتمع باعتباره نائبًا عامًا عنه. برزت هذه النظرية بصورة واضحة في كتابات الإمام “الخميني”، ثم أصبحت أساسًا للنظام السياسي في إيران. يظل مدى امتدادها في التراث الفقهي الإمامي محل نقاش بين الباحثين، من حيث كونها تمثل الرأي المشهور بين فقهاء الإمامية أو اجتهادًا فقهيًا تطور في مراحل متأخرة. يجمع نظام الولاية المطلقة بين الأيديولوجيا والإطار الإداري للدولة، ويوفّر للفقهاء سلطة تعليق الأحكام الدينية والسياسية وتعطيلها، ويؤمّن لهم في الوقت نفسه تبادل النفوذ وتقاسم المناصب، ويضمن لهم البقاء في السلطة وتوزيعها وترتيبها وفق مصالحهم.

– الصلاحيات: يشمل سلطة الفقيه لجميع شؤون الحكم والإدارة التي تخص المجتمع والدولة في عصر الغيبة، دون انحصار دوره في الإفتاء والقضاء والأمور الحسبية المحدودة. ويعبَّر عنها أحيانًا بـ”الولاية العامة”. مع ذلك، يفرّق الفقهاء بين الولاية في الأمور الحسبية والقضاء والإفتاء وهي سلطات متفق على ثبوتها للفقيه عند الإمامية وبين الولاية السياسية المطلقة التي تشمل إدارة الحكم وقيادة الدولة. فالجميع يسلّمون بولاية الفقيه في التصدي للأمور الضرورية التي لا ينبغي أن تُترك “كحماية أموال اليتامى والغُيَّب والقضاء بين الناس وأخذ الحقوق الشرعية”، ولكن موضع الخلاف: هل تمتد هذه الولاية لتشمل كل صلاحيات الإمام المعصوم بما فيها الحكم السياسي العام؟.

دمج المرجعية الدينية بالسلطة السياسية

– الفقيه باعتباره قائدًا سياسيًا: منح الدستور الإيراني الولي الفقيه صلاحيات واسعة جعلته في قمة هرم السلطة، مع إخضاع عدد من المؤسسات الدستورية لإشرافه المباشر، ويفوض الدستور المرشد الأعلى الاضطلاع بمسؤولية القائد العام للقوات المسلحة وإعلان الحرب، وتعيين وعزل الأفراد التاليين: “نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور البالغ عدد أعضائه (12) عضوًا، رئيس السلطة القضائية، رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، القائد الأعلى لقوات الحرس الثوري، القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن”.

– الشرعية الدينية مقابل الشرعية الشعبية: يتم انتخاب المرشد الأعلى من قبل مجلس الخبراء المنتخب من قبل الشعب، وكان “آية الله الخميني” أول من أنيطت به ولاية الفقيه إلى أن توفي عام 1989 فتولى المرشد السابق “علي خامنئي” هذا المنصب قبل اغتياله في فبراي2026. ينسق “مكتب المرشد الأعلى” نشاط الولي الفقيه وظهوره أمام الناس، وهو مكون من (4) أعضاء يشترط أن يكون كل منهم “حجة الإسلام” أو “آية الله”. وللمرشد الأعلى أكثر من (2000) ممثل أغلبهم برتبة حجة الإسلام، ينتشرون في كل الوزارات وفي مؤسسات الدولة وفي المراكز الثقافية داخل إيران وخارجها وفي محافظات إيران الثماني والعشرين.

– المؤسسات التي تعزز هذه العلاقة: أبرز هذه المؤسسات مجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الأمن القومي الأعلى، ومجلس إعادة النظر في الدستور، حيث ترتبط قراراتها أو تشكيلها بموافقة القائد أو تعيينه. حافظ النظام على بعض مؤسسات الدولة التقليدية، لكنه أنشأ مؤسسات موازية ذات طابع ديني أو ثوري، مثل الحرس الثوري إلى جانب الجيش النظامي، ومجلس صيانة الدستور إلى جانب البرلمان. أسهم هذا البناء المؤسسي في تعزيز سلطة الولي الفقيه، وترسيخ التكامل بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي، بما يضمن توجيه مؤسسات الدولة ضمن الإطار الذي تحدده القيادة العليا.

الانتقادات الفكرية للنظرية داخل المدرسة الشيعية

– اختلاف المرجعيات: لايزال الغموض قائم بشأن مفهوم “المرجعية الدينية” التي تقود الطائفة الشيعية، التي تشكل حسب إحصائيات شبه رسمية ما يقدر من (150 ـ 200) مليون شخص حول العالم، أي ما يقدر بنحو (13%) من إجمالي عدد المسلمين في العالم. تتسم  مرجعية الشيعة بظاهرة تعدد المراجع الكبار. وتقوم المرجعية على مبدأ “الأعلمية” الذي يقضي بأن يكون المرجع هو “العارف بأهل زمانه الذي لا تهجم عليه اللوابس”. فعلى سبيل المثال كانت المرجعيات الشيعية الكبيرة في العالم موزعة في ثلاثة مواقع هي: إيران و العراق ولبنان.

– مدارس النجف وقم مع عرض موضوعي للفروق الفكرية: تعد مدينتا النجف العراقية وقم الإيرانية قطبا التشيع في العالم، حيث تضمان ما تعرف بالحوزة العلمية، التي يتخرج منها رجال الدين الشيعة من جنسيات مختلفة. يكمن الاختلاف بين مرجعيتي النجف وقم من ناحية الأسس التي تبنى عليها المرجعية، فمن حيث المنهجية العلمية فهي المنهجية ذاتها، إلا أن الحوزة في “النجف” لا مركزية فيها، أما في “قم” فهي مركزية لرعاية الدولة. أما ولاية الفقيه متفق عليها أن تكون لدى الأعلم بين من يؤمنون بها سواء في النجف أو في قم. بالنسبة في النجف فإن الأعلم هو الأعلم في أصول الفقه، بينما في قم الأعلم هو الأعلم بالأصول التي تعني قواعد عقلية منطقية. وهناك من لا يؤمن بالطريقتين لإثبات ولاية الفقيه، فهو يؤمن بأن الولاية العامة لا تعتمد لا على الأصول ولا على الفقه، وإنما تعتمد على طريق باطني صعب المنال.

– الجدل حول حدود سلطة الفقيه: يتمثل الاختلاف ما بين المراجع في أن جزءًا منهم يؤمن بولاية الفقيه، والآخر يؤمن بالولاية الحسبية. والجزء الذي يؤمن بولاية الفقيه لا يتبع المرشد الأعلى السابق في إيران “علي خامنئي” بل يتبع المدرسة العلمية التجديدية. فمرجعية “قم” مبنية بالأساس على ولاية الفقيه والتي تنوب عن الإمام المهدي، ولها الحق في التصرف بجميع أمور المسلمين. بينما مرجعية “النجف” مبنية على الولاية الحسبية والتي ليس لديها بساطة اليد على التصرف بأمور المسلمين خاصتها، وإنما التصرف بما دل عليه الدليل ومنها قبض الحقوق الشرعية، والتصرف بها والإفتاء بأمور المسلمين. يمكن القول أن مرجعية النجف تعتمد مبدأ مسافة التوجيه، والمقصود بها الابتعاد عن الدخول في تفاصيل قضايا الشأن العام. أما مرجعية إيران، فإنها تعمل ضمن مبدأ الحضور في تفاصيل تلك القضايا انطلاقًا من مبدأ ولاية الفقيه على عموم المسلمين الذي تعتقد به. ملف دولة الإمارات، كيف استطاعت احتواء تهديدات إيران؟

**

2ـ الخطاب الأيديولوجي لولاية الفقيه ـ البنية الفكرية وآليات التعبئة

تُمثّل أيديولوجية “ولاية الفقيه” واحدة من أكثر التحولات السياسية والفقهية جذرية في التاريخ الإسلامي الحديث؛ إذ نقلت الفقه الشيعي الاثنا عشري من مرحلة “الانتظار السلبي” للإمام الغائب إلى مرحلة “العمل الثوري الاستباقي” وتأسيس الدولة. ولم يكن هذا التحول فقهيًّا بحتًا، بل ارتكز على خطاب أيديولوجي متكامل صُمم لإدارة الدولة، وتعبئة الجماهير عابرة الحدود الجغرافية، وصياغة عقيدة أمنية وسياسية تواجه النظام الدولي. تستعرض هذه الدراسة البنية الفكرية لهذا الخطاب، وآلياته التعبوية، وموقعه مقارنة بتيارات الإسلام السياسي الأخرى.

ما هو الخطاب الأيديولوجي؟

يُعرَّف الخطاب الأيديولوجي بأنه منظومة نسقية من الأفكار، والمفاهيم، والرموز، والقيم التي تنتجها سلطة أو جماعة سياسية ما، بهدف تفسير الواقع الاجتماعي والسياسي وتبريره، وتوجيه سلوك الأفراد نحو أهداف محددة. لا يقتصر الخطاب الأيديولوجي على كونه أداة معرفية، بل هو أداة سلطوية تهدف إلى صياغة الوعي الجمعي، وتأطير المفاهيم حول “الذات” و”الآخر”. وفي سياق الأنظمة الثورية الشمولية، يُعد الخطاب الأيديولوجي عصب شرعية النظام وآليته الرئيسية لتبرير السياسات الاستراتيجية، وتحويل العقائد النظرية إلى سلوكيات تعبوية في الميدان.

وتجسد الجمهورية الإسلامية ظاهرة الأيديولوجيا البيروقراطية من خلال بنيتها كنظام ثيوقراطي يعزز مفهوم “السيادة الإلهية”  للولي الفقيه، وهو دور يتجسد في الصلاحيات الواسعة للمرشد الأعلى. وفي حين تلتزم الجمهورية الإسلامية بالتفسير الشمولي للإسلام السياسي الشيعي، فإن السلطة المطلقة داخل النظام تقع في يد المرشد الأعلى، الذي يجمع بين السلطة السياسية والدينية على حد سواء.

وخلال فترة حكمه، أصدر الخميني فتواه الشهيرة بأنه إذا رأى الولي الفقيه (المرشد الأعلى) ضرورة لذلك، يمكن تعليق حتى الممارسات الإسلامية الواجبة مثل الصلاة والصيام. وقد تمسك خامنئي بهذه الرؤية الموسعة لسلطات المرشد الأعلى، ويمارسها دون مساءلة. وتعتمد هذه السلطة التي لا تخضع للرقابة على فكرة “ما وراء القانون” أي أنها ممنوحة بإرادة إلهية، وهي فكرة يتبناها أنصار خامنئي دون تردد، حيث يرون أن حكمه بمثابة امتداد لتقاليد الأنبياء وأئمة الشيعة. كما تمنحه هذه الصلاحيات الواسعة الكلمة الفصل في الشؤون الخارجية.

مرتكزات خطاب ولاية الفقيه

الحاكمية الدينية: تتمثل الحاكمية الدينية في خطاب ولاية الفقيه في نيابة الفقيه الجامع للشرائط عن الإمام المعصوم في قيادة الأمة وإدارة الدولة، وتستند إلى حاكمية الله المطلقة، وتتضمن صلاحيات استثنائية لتنظيم المجتمع الإسلامي.

وتنبثق الحاكمية الدينية في خطاب ولاية الفقيه من فرضية أن التشريع والحكم هما حق حصري لله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحق انتقل من الرسول إلى الأئمة المعصومين، ثم إلى “الفقيه الجامع للشرائط” خلال عصر الغيبة الكبرى، وتؤكد المادتين (5) و(107) من الدستور الإيراني لعام 1979 المعدل عام 1989 هذه الحاكمية المطلقة؛ حيث يتولى الفقيه صلاحيات الإمامة وقيادة الأمة، وبذلك يُصبح التمرد على قرارات الولي الفقيه أو انتقاد سلطته بمثابة عصيان للتشريع الإلهي، مما يمنح النظام حصانة فقهية مطلقة تتجاوز آليات الديمقراطية الوضعية.

الثورة المستمرة: يرفض خطاب ولاية الفقيه فكرة انقضاء الفعل الثوري بمجرد سقوط النظام الملكي السابق عام 1979؛ بل يُكرس سردية “الثورة المستمرة” داخليًّا وخارجيًّا. وتتجسد هذه المرتكزات في عقيدة “تصدير الثورة” (المادة 154 من الدستور)، والتي تنص على دعم النضال المشروع لـ “المستضعفين” ضد “المستكبرين” في أي مكان في العالم. هذا المفهوم يُبرر استمرار الحالة الثورية داخل المجتمع الإيراني، ويُشرعن إنشاء أذرع وفصائل عسكرية مسلحة عابرة للحدود كالحرس الثوري الإيراني (IRGC) والفصائل الحليفة له في العراق واليمن ولبنان.

وتُكرّس الهيكلية الدستورية التي صاغها تعديلا عامي 1979 و1989 مفهوم “الثورة المستمرة” عبر مأسسة “ولاية الفقيه” في قمة الهرم السياسي والديني؛ حيث يمنح الدستور (لا سيما المادة 110) للمرشد الأعلى—الذي يُشترط فيه الكفاءة الفقهية والبصيرة السياسية دون ضرورة المرجعية العليا—صلاحيات سيادية وتشريعية وعسكرية مطلقة تخوّله رسم السياسات العامة وإدارة القوات المسلحة. وبذلك، يتحول المنصب من مجرد قيادة سياسية إلى رمزية عقائدية مقدسة تدمج الشرعية الثورية بالنيابة الدينية عن الإمام الغائب، مما يضمن استمرار الحالة الثورية وهيمنتها الاستراتيجية على كافة سلطات ومؤسسات الدولة.

المستضعفون: أجرى آية الله الخميني عملية “تسييس ممنهجة” للمصطلحات القرآنية، وفي مقدمتها مصطلح “المستضعفين” (الذين وُعدوا بالإمامة والوراثة الأرضية)، محولًا إياه من دلالته الأخلاقية الروحية إلى أداة سوسيولوجية وسياسية. ويُقسّم الخطاب العالم إلى فسطاطين: فسطاط “المستضعفين” المحرومين سياسيًّا واقتصاديًّا، وفسطاط “المستكبرين” الطغاة؛ وبموجب هذا التقسيم، يطرح نظام ولاية الفقيه نفسه كقائد عالمي ومدافع حصري عن حقوق المحرومين، متجاوزًا الانقسام المذهبي التقليدي لجذب حركات تحررية متعددة.

وطرح الإمام الخامنئي في كلمته بتاريخ 11/6/2023  خلال لقاء مع العلماء والمتخصصين والخبراء والمسؤولين في الصناعة النووية مفهومًا آخر من المفاهيم القرآنيّة المكوّنة للحضارة. ولفت إلى دخول مفردة «مستضعف»  و«استضعاف» إلى الأدبيّات السياسيّة لإيران مع انتصار الثورة الإسلاميّة وفسّرها، وشرح مفهوم «المستضعف» القرآني وعلاقته مع «المقاومة» وتحقيق النصر النهائي و”وراثة الأرض” . وتُعدّ مفردة الاستضعاف، واحدة من المفردات المستخدمة كثيرًا في الثورة الإسلاميّة ولها جذورٌ في آيات القرآن الكريم. وحيث إنّ هذه المفردة عبارةٌ عن اشتراك لفظي، فإنّ لها معانٍ عديدة ينبغي أن يتمّ تعيين حدّ وتعريف كلٍّ منها. كما جرى استخدامها في العُرف القديم والحالي ضمن إطار معانٍ خاصّة. لكن حيث إنّ هذه المفردة مفردةٌ قرآنيّة، فإنّه من الضروري تحليلها من منظار آيات القرآن وعرض المعنى الصحيح لها.

مقاومة الهيمنة: تُعد “مقاومة الهيمنة” أو “مناهضة الاستكبار العالمي” المحور الحركي لخطاب ولاية الفقيه، وهي الصياغة الأيديولوجية لسياسة إيران الخارجية. ويرتكز هذا المفهوم على أن النظام الدولي محكوم ببنية إمبريالية ظالمة تسعى للسيطرة على مقدرات الشعوب الإسلامية وثرواتها. وبناءً على ذلك، يُلزم الخطاب الأيديولوجي الدولة بتأسيس “محور المقاومة” كتحالف عسكري وفكري لمواجهة المشاريع الغربية، وتبرير الكلفة الاقتصادية والعسكرية الباهظة التي تتحملها الدولة في رعاية هذا المحور.

وأكد الدستور الإيراني على مواجهة القوى الكبرى بوصفها قوى استكبار وهيمنة، وَعَدَّ ذلك وظيفة أساسية لنظام الحكم، إذ نَصّ الدستور في المادة (2) بند (6) على أن النظام الإسلامي الثوري يقوم على “رفض جميع أشكال الاضطهاد، سواء بفرضه أو الخضوع له، وجميع أشكال الهيمنة، سواء بفرضها أو بقبولها”، كما نصّت المادة (3) بند (5) على “طرد الاستعمار كلية ومكافحة النفوذ الأجنبي”، وهو الأمر الذي يعكس طبيعة علاقة النظام الإيراني بالنظام الدولي القائم.

وأكدت المادة (152)  من الدستور الإيراني مبدأ الاستقلالية في السياسة الخارجية، إذ نصَّت على أن “تقوم السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية على رفض كل أشكال التسلط، سواء ممارسته أو الخضوع له، والمحافظة على الاستقلال الكامل ووحدة أراضي البلاد، والدفاع عن حقوق جميع المسلمين، وعدم الانحياز لأي من القوى العظمى المتسلطة، والاحتفاظ بعلاقات سلمية متبادلة مع جميع الدول غير المعادية”، ونصت المادة (153) على تأكيد مواجهة النفوذ الأجنبي، إذ أكدت أنه “يمنع عقد أي معاهدة تؤدي إلى السيطرة الأجنبية على الثروات الطبيعية للبلاد أو اقتصادها أو جيشها أو ثقافتها أو أي مظهر آخر في حياتها الوطنية”.

الهوية الإسلامية: يتحرك الخطاب في دائرة مزدوجة تجمع بين القومية الفارسية وبين “الأممية الإسلامية”؛ إذ يسعى لتجاوز الحدود الضيقة للدولة الوطنية نحو فضاء “الأمة الإسلامية” الواحدة. ويطرح الخطاب أيديولوجية عابرة للمذاهب تركز على القضايا الإسلامية الجامعة- وفي مقدمتها القضية الفلسطينية- لبناء هوية إسلامية موحدة تقودها طهران، مما يمنحها القدرة على النفاذ إلى المجتمعات السنية والشيعية على حد سواء، وتوظيف هذه الهوية كأداة نفوذ جيوسياسي في الشرق الأوسط.

ولا يرتبط الخطاب الأيديولوجي لولاية الفقيه بإسلامية النموذج الإيراني بقدر ما ترتبط بالتفسير الإيراني لما هو إسلامي، فقد قامت أيديولوجية الحكومة الإسلامية على رؤية الخميني لماهية الإسلام كتطبيق يشمل علاقات المجتمع داخليًّا وخارجيًّا، وقد مثلت الرؤية السابقة مدخلًا أساسيًّا لتبنِّي الثورة الإيرانية منطلقًا فكريًّا وحركيًّا يميل إلى تعريف الدولة كمحرك أو أداة مصدِّرة للأيديولوجيا خارج الحدود كما صرح الخميني في عيد الثورة الأول قائلًا: “سوف نصدر الثورة إلى الأركان الأربعة لأن ثورتنا إسلامية”.

وقد تضمنت مهامّ الدستور، تحقيق التضامن بين دول العالم الإسلامي، إذ تنص المادة (11 ) على أنه “وفقًا للآية الكريمة (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) يشكِّل المسلمون أمة واحدة، ويتعين على حكومة جمهورية إيران الإسلامية صياغة سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، ومواصلة السعي لتحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم الإسلامي”. وهكذا فإن الصورة التي يقدِّمها الدستور هي لدولة صاحبة رسالة تستند إلى أيديولوجيا دينية مذهبية ذات أبعاد عالمية.  ولاية الفقيه ـ الجذور الفكرية والتحولات العقائدية

بناء الشرعية

الشرعية الدينية: تتأسس الشرعية الدينية لولاية الفقيه على التكييف الفقهي لمفهوم “النيابة العامة” عن الإمام المهدي (الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية)؛ فالولي الفقيه لا يستمد مشروعيته من صناديق الاقتراع أو الرضا الشعبي كأصل، بل من التعيين الإلهي العام المعتمد على توفر صفات العدالة، والشجاعة، والفقاهة. هذا البناء الفقهي يجعل طاعة الولي الفقيه واجبًا دينيًّا تكليفيًّا، وتُعد ولايته امتدادًا لولاية الرسول والأئمة، مما يمنح قراراته السياسية والعسكرية صبغة قدسية لا تجوز مخالفتها.

وتأصيلًا للشرعية الدينية والإلهية لولاية الفقيه، شرع الإمام الخميني، في سنٍّ مبكرة (40) عامًا، في وضع اللبنات الأولى لنظرية “ولاية الفقيه العامة” عبر كتابه (كشف الأسرار)، لا سيما في المقالتين الثالثة والرابعة، حيث استند فيهما إلى قوة الأدلة النقلية والشرعية التي تستمد عراقتها من النص المعصوم، لإثبات أن ولاية الفقيه في عصر الغيبة هي تكليف شرعي وحق أصيل للفقيه الجامع للشرائط.  وكان لمفهوم “الشرعية الدينية” أساسه الرئيس في نمط الحكم الإيراني، إذ يشير إلى الأساس العقائدي والسياسي الذي يستمد منه النظام في إيران سلطته وحقه في الحكم، وتستند هذه الشرعية بشكل رئيسي إلى مفهوم “ولاية الفقيه”.

الشرعية الثورية: ظهر مصطلح (الشرعية الثورية) مع البدايات الأولى للجمهورية الاسلامية الإيرانية في فبراير 1979، وهي المرجعية السياسية والدستورية التي تستمد منها إيران استمراريتها وسلطتها، والتي ترتكز على مبدأ (ولاية الفقيه)، وتأسست معها كيانات موازية لضمان حماية النظام وتحقيق أهدافه، أبرزها (الحرس الثوري الذي يمثل مؤسسة عقائدية وعسكرية لحماية المكتسبات الثورية داخليًّا وخارجيًّا، وكانت الشرعية الثورية هي المصدر الوحيد للدولة في كل تشريعاتيها وأدوات تنفيذها ووسائل ديمومتها والمرجع الأول في كل ما يتعلق بأصول سياستها الداخلية وعلاقتها الدولية والإقليمية وفي إدارتها لشؤون الحياة، وأصبحت الثورة جزءًا من هوية الدولة وليس المصدر الوحيد لشرعيتها، وبه لا تتخلى إيران عن خطاب المقاومة لكنها تجعله احد أدوات السياسة الخارجية ولكنه ليس المعيار الذي يحدد به شرعيتها الداخلية مع اعتماد عنصر المقاومة خيار استراتيجي يخضع لحسابات المصلحة الوطنية والقدرات الاقتصادية في تطور إيجابي تنتقل به إيران من إدارة الأزمات الى إدارة التنمية.

 الرموز الدينية: يوظف الخطاب الأيدولوجي الرموز الدينية الشيعية الكبرى ووظائفها المذهبية لخدمة الأهداف السياسية المعاصرة، فيتم إسقاط مفاهيم “كربلاء” و”عاشوراء” و”غيبة الإمام” على الواقع السياسي؛ ويُصبح الفقيه القائد هو “حسين العصر”، وتُصبح القوى المعارضة له بمثابة جبهة “يزيد ابن معاوية”. هذا التوظيف الممنهج للرموز المقدسة يُحيل الصراعات السياسية والجيوسياسية الراهنة إلى معارك عقائدية وجودية لا تقبل الحلول الوسط.

والفكر الإيراني يجمع بين البُعدين العقائدي والتنظيمي، عبر توظيف الرموز الدينية لإنتاج بيئات أكثر قابلية للتأثر بالرؤية السياسية الإيرانية، بما يمنحه قدرة على بناء نفوذ يتجاوز الإطار المذهبي التقليدي، حيث يستدعي  الخطاب الأيدولوجي لولاية الفقيه الرموز الدينية وإعادة تدويرها بمنظور معاصر كامتداد لخطاب الشهادة والتضحية والمقاومة في مواجهة الاستبداد، وكونها طريقًا للنضال من أجل إعادة كرامة الأمة الإسلامية وفرض وجودها في كل أنحاء المعمورة.  أميركا وإيران… حرب كسر الإرادات؟

بناء صورة الآخر

الغرب: يُصوَّر الغرب في أيديولوجية ولاية الفقيه ككيان استعماري فاسد أخلاقيًّا ومضاد للقيم الروحية الإسلامية؛ فهو مصدر “الغزو الثقافي” (شبیخون فرهنگی) الذي يستهدف إفساد شباب الأمة وسلخهم عن هويتهم العقائدية، ويرى الخطاب أن المؤسسات الدولية والقوانين العالمية ليست سوى أدوات استعمارية ناعمة صاغها الغرب للحفاظ على تفوقه واستنزاف مقدرات العالم الإسلامي.

إسرائيل: تُمثل إسرائيل في هذا الخطاب الأيديولوجي “الآخر المطلق” و”الشر المحض”؛ حيث وُصمت بـ “الغدة السرطانية” التي يجب استئصالها من جسد الأمة. ولا ينظر خطاب ولاية الفقيه إلى إسرائيل كدولة ذات سيادة أو خصم سياسي عادي، بل ككيان مغتصب فاقد للمشروعية الوجودية، وجرى زرعه في قلب العالم الإسلامي لتقسيمه، مما يجعل تحرير القدس واجبًا عقائديًّا ثابتًا غير قابل للمساومة أو السلام والتفاوض.

ويتبنى نظام ولاية الفقيه شعار عدم مشروعية وجود إسرائيل والعمل على إزالتها من الوجود، ويجعل من العداء لإسرائيل وإلغاء شرعيتها ركيزة أساسية، إلى جانب بناء شبكة تحالفات مسلحة محيطة بإسرائيل وتطوير قدرات نووية وصاروخية تساهم في تهديد أمنها القومي، بالإضافة إلى دعم وتمويل فصائل مسلحة مناهضة لإسرائيل في المنطقة مثل حزب الله وحماس والحوثيين تحت مظلة “محور المقاومة”.

الولايات المتحدة: منح الخطاب الأيديولوجي الإيراني الولايات المتحدة الأمريكية لقب “الشيطان الأكبر” (شیطان بزرگ)، وهو مصطلح يدمج بين البعد الديني والسياسي، وهو ما أعلنه الخميني- في نوفمبر 1979- مما كان له عظيم التأثير على النظرة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة الأمريكية؛ نظرا لقيمة الخميني عند الشيعة في داخل إيران وخارجها، فالولايات المتحدة هي رأس الاستكبار العالمي والمحرك الأساسي لكل المؤامرات التي تستهدف الثورة الإسلامية، من حرب الخليج الأولى (1980-1988) إلى فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة، ويُبنى مفهوم التعامل مع واشنطن على الصراع الحتمي والعداء المستمر، معتبرًا أي تقارب أو ثقة بها بمثابة سذاجة سياسية أو خيانة للثورة.

الخصوم الإقليميون: يُصنّف الخطاب الخصوم الإقليميين في الشرق الأوسط (تحديدًا الأنظمة الملكية والمحافظة) كـ “أدوات ووكلاء” للمشروع الاستعماري الغربي، ويتم مهاجمتهم أيديولوجيًّا ووصفهم بتبني “الإسلام الأمريكي” – المصطلح الذي صاغه الخميني لوصف الإسلام الشكلي الخالي من المضمون الثوري ومقاومة الاستكبار- ويتهمهم الخطاب بالخيانة القضائية لقضايا الأمة بسبب تحالفاتهم الأمنية مع واشنطن وتطبيع بعضهم مع إسرائيل.

وبدوره أكد علي الخامنئي، في أحد المحافل الرمضانية في عام 2014، أن الإسلام الأمريكي يخدم الأهداف والمطامع الأمريكية والصهيونية تحت غطاء إسلامي، وقال “إن الإسلامی الأمریكي ورغم ظاهره الإسلامی إلا أنه یرضى بمساومة الطاغوت والصهیونیة، ویقبل بولایة المستكبرین ویكرس وجوده فی خدمة تحقیق أهداف الطاغوت وأمریكا”.

مفهوم التهديد في الخطاب: يتمحور مفهوم التهديد في خطاب ولاية الفقيه حول نظرية “المؤامرة الدائمة والحصار الوجودي”، فالنظام يطرح نفسه دائمًا في موقع المستهدف والمحاصر من قِبل قوى الاستكبار، ويُستخدم هذا المفهوم لتعبئة الجماهير وتبرير الإجراءات الأمنية الصارمة داخليًّا، واعتبار الأزمات الاقتصادية الناتجة عن العقوبات بمثابة “جهاد اقتصادي” وصمود في وجه الحصار، مما يحول التهديدات الخارجية إلى وقود لتعزيز اللحمة الأيديولوجية الداخلية. الصراع في إيران… بين حسابات القوة العسكرية وأزمة النظام العالمي

آليات التعبئة الفكرية

الرموز والشعارات: تعتمد التعبئة الفكرية في نظام ولاية الفقيه على ترسانة من الرموز والشعارات البصرية واللفظية المكررة بعناية، ويُعد شعار “الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل” الشعار الهيكلي الناظم للمحافل الرسمية والتعبوية، كما تُرفع صور الولي الفقيه- الخميني ثم خامنئي- في كل الميادين والمؤسسات كرمز للوحدة والقيادة المطلقة؛ وتعمل هذه الشعارات كأدوات لشحن العواطف وتجديد الولاء الأيديولوجي اليومي.

المناسبات الدينية والذاكرة الجمعية: يستغل النظام الإيراني المناسبات الدينية الكبرى وتحويلها إلى تظاهرات سياسية تعبوية حاشدة، مثل “مسيرة الأربعين” ومجالس عزاء عاشوراء، بالإضافة إلى المناسبات المستحدثة كـ “يوم القدس العالمي”- الجمعة الأخيرة من شهر رمضان- وتُسهم هذه الفعاليات في دمج الذاكرة الجماعية الشيعية المتمحورة حول مظلومية آل البيت بالواقع الجيوسياسي المعاصر، مما يحول الممارسات الطقسية إلى أدوات استعراض قوة سياسية وقدرة على الحشد المليوني.

سرديات الشهادة: تُمثّل “عقيدة الشهادة” الركيزة التعبوية الأقوى لضمان تدفق المقاتلين نحو الجبهات؛ حيث يُعاد إنتاج سردية الاستشهاد في كربلاء لإضفاء القدسية على القتلى في المعارك الحديثة، وجرى مأسسة هذه السردية عبر “مؤسسة الشهيد وإيثارگران” التي تقدم امتيازات اقتصادية واجتماعية ضخمة لعائلات القتلى. وشهدت السنوات الأخيرة تحويل شخصية الجنرال قاسم سليماني- الذي قُتل في غارة أمريكية عام 2020- إلى “أيقونة استشهاد عالمية” تُوظف سرديته في الأدبيات والإعلام المدرج لتنشئة جيل جديد من المقاتلين المستعدين للتضحية في سبيل المشروع الأيديولوجي للولاية. الإخوان المسلمون ـ دوافع قرار ترامب وما يكشفه عن مستقبل الإسلام السياسي

المقارنة بين ولاية الفقيه وتيارات الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين نموذجًا)

يتقاطع خطاب ولاية الفقيه مع بعض حركات الإسلام السياسي السنية- ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين- في السعي المشترك لدمج الدين بالسياسة وتأسيس الدولة الإسلامية، ورغم الاختلاف الجوهري في البنية الهيكلية ومفهوم القيادة والمرجعية الدينية وأدوات التنفيذ، إلا أن جماعة الإخوان ونظام الولي الفقيه يتشابهان ويلتقيان في المنطلقات الأيديولوجية الكبرى التي تهدف إلى تسييس الدين وأسلمة السياسة، والعداء المشترك للدولة الوطنية الموحدة ذات السيادة الشعبية والسياسية والجغرافية، حيث يطمح كل منهما للوصول إلى حكم المنطقة، فبينما يسعى فكر الولي الفقيه إلى تدويل الثورة وتجاوز حدود إيران الجغرافية لما هو أبعد، تظل أعين الإخوان معلقة في دولة الخلافة أو أستاذية العالم خلفًا للعثمانيين.

ويتشابه النظامان في مفهوم الحاكمية الإلهية أو الغيبية المقدسة كبديل للسيادة البشرية حيث يقوم نظام الولي الفقيه على مبدأ النيابة العامة في شخص الولي الفقيه أو المرشد الأعلى وله الولاء المطلق. في حين يرتكز مبدأ البيعة “للمرشد العام” لدى الإخوان وهي علاقة تعاقدية دينية تُبدّي الولاء والطاعة للتنظيم فوق الولاء للوطن وهو ما يكرس لدى أعضائهم والتابعين لهم “ازدواجية الولاء”.

عنصر تشابه آخر جدير بالاهتمام بين الولي الفقيه والإخوان وهو استخدام الوكلاء والأذرع العابرة للحدود، عبر بناء شبكات وخلايا عنقودية سرية ومعلنة، تتغلغل في مختلف فصائل المجتمع الدينية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، والإعلامية والخيرية والمؤسسية، أضف الى ذلك امتلاك كلا النظامين إلى الأجنحة العسكرية، حيث يمتلك الولي الفقيه “قوات الحرس الثوري” كذراع عسكري رغم وجود جيشٍ نظامي إيراني. بينما يمتلك الإخوان تاريخًا طويلًا مع الأجنحة والميليشيات المسلحة المتنوعة التي تظهر وتختفي وتنشط في كل دولة حسب الحاجة السياسية لها.

ويتمثل التقاطع الأبرز بين إيران والإخوان في أن كليهما ينطلق من تصور لا يجعل الدولة الوطنية الإطار النهائي للهوية والولاء، فالفقيه في إيران يطرح نفسه عبر مرجعية دينية ثورية ذات امتداد إقليمي، بينما يستند المرشد الإخواني إلى فكرة الجماعة والأمة الإسلامية بوصفهما إطارًا يتجاوز الدولة القطرية.

ويتقاطع النظامان أيضًا في توظيف الهوية أداةً سياسيَّة، فإيران تميل إلى تسييس الهوية المذهبية والرمزية الثورية ضمن مشروعها الإقليمي، ويوظف الإخوان الهوية الدينية العامة والخطاب الأخلاقي والاجتماعي لبناء قواعد تأثير ممتدة، ولا تبقى الهوية هنا مجرد انتماء ديني أو ثقافي، بل تتحول إلى أداة تعبئة وتوجيه سياسي واجتماعي.

ومع ذلك، فإن الاختلاف بين النظامين يظل جوهريًّا؛ فالنظام الإيراني يرتبط بدولة قائمة تمتلك مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية توظفها في دعم مشروعها الخارجي، بما في ذلك الحرس الثوري، والدبلوماسية، والإعلام، وشبكات الحلفاء. أما جماعة الإخوان فهي في الأصل حركة تنظيمية عابرة للحدود، تقوم على شبكة فكرية وتنظيمية مرنة تتكيف مع البيئات السياسية المختلفة.

ومع ذلك، تكمن الفجوة الجوهرية بين التجربتين في الأساس العقدي، فولاية الفقيه نموذج شيعي إمامي مغلق لا يمكن تطبيقه أو استنساخه في البيئات السنية، نظرًا لارتكازه على مفهوم “الإمامة والنيابة عن المعصوم”؛ في حين أن جماعة الإخوان المسلمين تنتمي للفضاء الفقهي السني الذي لا يقر بالمعصومية بعد الرسول، ويعتبر الحاكم وكيلًا سياسيًّا عن الأمة يسهل عزله أو انتقاده؛ وبالتالي، فإن ولاية الفقيه أسست نظامًا ثيوقراطيًّا سلطويًّا مدمجًا بالدولة، بينما بقيت حركة الإخوان المسلمين حركية سياسية دعوية تبحث عن التمكين داخل هياكل الدولة التقليدية.

**

3ـ ولاية الفقيه ـ أدوات نشر الأيديولوجية وبناء النفوذ الفكري

تمثل ولاية الفقيه في إيران، النظرية السياسية والدينية التي تأسس عليها نظام الحكم منذ 1979، وتدريجيًا انتقلت ولاية الفقيه من نظرية فقهية إلى أيديولوجية حاكمة ذات أبعاد فكرية ومؤسسية، وانتشرت خارج حدود إيران، من خلال أدوات متعددة مثل المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية والحوزات، نظرًا لأن ولاية الفقيه تعد الأساس الدستوري والسياسي للنظام الإيراني، وتمنح المرشد الأعلى سلطة دينية وسياسية عليا، تجعل منصبه أعلى من جميع مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية.

القوة الناعمة

وفقًا لعالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي، فإن القوة الناعمة هي القدرة على التأثير في سلوك الآخرين، عبر الإقناع والاستمالة، على عكس القوة الصلبة التي تميل للاعتماد بشكل أكبر على الإكراه، وتلجأ الدول لهذه التدابير بدلًا من التدخل العسكري أو العقوبات الاقتصادية. وتتمثل في الموارد المرتبطة بالمؤسسات، والأفكار، والقيم، والثقافة.

ولاية الفقيه

تعني إسناد السلطة إلى الفقيه الجامع للشرائط خلال غياب الإمام المهدي، بحسب الفكر الشيعي الإمامي الاثني عشري. وفي إيران باتت ولاية الفقيه النظام الدستوري والسياسي. إذ يحصل المرشد الأعلى على صلاحيات واسعة، تجعله أعلى سلطة سياسية ودينية، والمشرف على المؤسسات السيادية والسياسات العامة للدولة.

مفهوم القوة الناعمة الأيديولوجية لدى إيران

يقول علي أكبر، محاضر وباحث في جامعة ملبورن، “انتهجت إيران سياسة معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، وركزت على القوة الناعمة المتمثلة في نشر ولاية الفقيه ـ “التشيع” واستخدام خطاب مناهض للولايات المتحدة، ونشر الروابط الثقافية خارج حدودها لزيادة نفوذها”، مشيرًا إلى امتداد هذه القوة للمجال الإنساني، وخلال حرب إسرائيل وحزب الله في 2006، استثمرت بكثافة في جنوب لبنان وقدمت هناك خدمات اجتماعية لأسر الجنود القتلى، كمحاولة لتحسين صورتها.

أقامت إيران شراكات مع جامعات دول أخرى لاختراق القطاعات التعليمية خارج حدودها، كما تسهل الدراسة داخل جامعاتها بتقديم منح دراسية. يوضح الباحث علي أكبر، توسيع طهران نشر القيم الثقافية في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى والجنوبية والشرق الأوسط بنشر اللغة الفارسية، وتعد مؤسسة “سعدي” إحدى المؤسسات الرئيسية في الترويج للغة الفارسية خارج إيران، إذ يبلغ عدد ممثليها أكثر من (80) ممثلًا. تتولى منظمة الثقافة والاتصال الإسلامي “ICCO” التابعة لوزارة الثقافة الإيرانية، تقييم مكانة اللغة والأدب الفارسيين بمختلف الجامعات بالعالم، وعقد مؤتمرات وندوات ذات صلة باللغة، ونشر كتيبات ودراسات متعلقة بدراسة اللغة الفارسية بلغات متعددة.

أكد المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، على أهمية تعزيز اللغة الفارسية، وأن يتولى هذه المهمة المستشارون الثقافيون، عبر إقامة علاقات وثيقة مع الجامعات خارج إيران، بجانب إيفاد اللغويين والباحثين الإيرانيين لدول أخرى لتدريب المعلمين المحليين، وأرسلت إيران خلال العقود الأربعة الماضية، أكثر من (260) خبيرًا في الأدب واللغة الفارسية. وسعت إيران نفوذها في العراق، بزيادة عدد الزيارات للأضرحة الشيعية في النجف وكربلاء، وتدريس اللغة الفارسية على (3) مستويات “ابتدائي، ومتوسط، ومتقدم”، وإنشاء مراكز ثقافية إيرانية مستقلة بالعراق، ويعد معهد “القلم” أحد المراكز الإيرانية الرئيسية للغة الفارسية في بغداد. وأصدرت إيران أول مجلة إلكترونية بعنوان “مينا”، لتحفيز الطلاب العراقيين لتعلم الفارسية.

خلال العقد الماضي، دشنت إيران برامج للغة الفارسية في الجامعة اللبنانية، إلى جانب دورات تقدمها جامعة المصطفى، وتوسع تدريسها في مدارس مرتبطة بحزب الله، مثل مدارس “المهدي”، التي تنظم أولمبيادًا سنويًا للغة الفارسية بدعم من السفارة الإيرانية والمركز الثقافي الإيراني، مع تقديم حوافز للفائزين مثل الرحلات إلى إيران. اقترن تعليم اللغة بالترويج للثقافة والرواية السياسية الإيرانية، إذ استُغلت الفعاليات الثقافية لنقل رسائل سياسية وإبراز ما تسميه طهران “ثقافة المقاومة”. كما لعب حزب الله دورًا في ترجمة الكتب الإيرانية من الفارسية إلى العربية، بما في ذلك مؤلفات دينية وسياسية وخطابات لقيادات إيرانية مثل علي خامنئي، وتم افتتاح أول فرع لمركز “بهاء الدين العاملي” في بعلبك عام 2021، لتعليم اللغة الفارسية وتعريف الدارسين بالحضارة والثقافة الإيرانية.

قبل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أدخلت طهران الفارسية كلغة اختيارية في المدارس الثانوية، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع دمشق في يناير 2020، وأنشئت برامج تعليمية بإشراف مؤسسة “سعدي”، وركزت على مدينة ذات أهمية استراتيجية مثل اللاذقية التي تضم جامعة إيرانية سورية مشتركة. أسست في “البوكمال” و”الميادين” في دير الزور، مراكز للغة الفارسية وربطتها بتعليم ولاية الفقية ـ “التشيع”، مع تقديم دورات مجانية للأطفال وجوائز مالية للمتفوقين. الإمارات تفكك تنظيماً مرتبطاً بـ”ولاية الفقيه”

المؤسسات الدينية

– الحوزات: مؤسسات دينية شيعية لتعليم الفقه والعقائد واللغة، ومن أبرزها حوزة قم وحوزة مشهد، اللتان تعدان امتدادًا لحوزة النجف التاريخية، تُمول المدارس الحوزية من خلال الرسوم الدينية المعروفة باسم “الخمس” والأوقاف والتبرعات ومدفوعات الزكاة الخيرية. عززت الدولة سيطرتها على إدارة الحوزات. يوفر مكتب المرشد دعمًا ماليًا لكيانات حوزية مختارة في إيران، دون الإعلان عن تفاصيل التمويل، ويمتد نفوذه إلى حوزة قم بالمراقبة الاستخباراتية والرقابة الأيديولوجية، والسيطرة المؤسسية للحفاظ على الهيمنة على المجال الديني.

يحتاج الشخص ما بين (15- 20) عامًا من الدراسة المكثفة في الفقه والفلسفة واللغة العربية والمنطق، ويحتاج تأييد سلطة دينية بارزة، للاعتراف الرسمي به كفقيه، ما يمكنه من إصدار فتاوى وآراء قانونية. تظل قيادة الحوزات للرجال فقط، تدرس حوالي أكثر من (3) آلاف طالبة في (12) مدرسة للبنات فقط في حوزة قم، للتدريب على تعليم المبادئ الدينية المتعلقة بالنساء والحياة الأسرية والأخلاق الإسلامية، ويحصل عدد قليل منهن على لقب فقيه.

تعد حوزة قم أكبر مركز للتعليم الديني  للمذهب الشيعي في إيران والعالم، وتضم ما بين (50-60) ألف طالب، وتشكل المرجعية العلمية الأساسية للحوزات الإيرانية، باعتبارها القوة الأكاديمية والروحية للتشيع، ولها دور في تشكيل النخبة الدينية بإيران. تمثل حوزة مشهد ثاني أكبر الحوزات، وترتبط بمرقد الإمام الرضا، إضافة إلى حوزات في أصفهان، وطهران، والأهواز، ويزد، وشيراز. لا تخضع الحوزات لوزارة حكومية، وتتمتع باستقلال إداري، وتُدار عبر هيئات دينية مثل مركز إدارة الحوزات. يشغل خريجو الحوزات مناصب في البرلمان والقضاء والمؤسسات الدينية، ما يدلل على تأثيرها في الحياة السياسية والاجتماعية. خلال الفترة (2021- 2026)، شهدت الحوزات توسعًا في عدد ونوعية البرامج، واهتمت إيران بتأسيس حوزات نسائية، ودشنت برامج تعليمية عبر الإنترنت ومحاضرات بالفارسية وباللغات الأجنبية.

– المراكز الثقافية: تمثل شبكة المراكز المسؤولة عن النشاط الثقافي والديني في الداخل والخارج، مثل منظمة “الثقافة والاتصال الإسلامي”، وتتبعها مكاتب ثقافية في سفارات إيران في نحو (60-70) دولة، ومنظمة “التبليغات الإسلامية” التي تخضع لإشراف المرشد مباشرة، ومكلفة بنشر الأيديولوجية الشيعية في داخل وخارج إيران، مع التركيز على إعداد المدارس الدينية الإيرانية. ومن أبرز المراكز الثقافية الخارجية، “المركز الثقافي الإيراني في باريس”، الذي يتولى نشر اللغة الفارسية عبر حلقات دروس ومعارض فنية وندوات ثقافية. ومن أشهر المجامع الدينية “المجمع العالمي لأهل البيت” في طهران، و”منتدى تقريب المذاهب”، و”منظمة دار القرآن الكريم” التي تدير أنشطة ثقافية، وبيوت الثقافة الإسلامية في مختلف المدن الإيرانية.

تحصل هذه المراكز على تمويل من وزارة الثقافة، وفي 2025، تم تخصيص نحو (5) تريليونات تومان لمنظمة التبليغات في الموازنة العامة. تركز أنشطتها على نشر اللغة الفارسية للناطقين بالعربية والإنجليزية، وإعداد ورش فنية ودورات دينية، ومهرجانات ثقافية مثل “أسابيع الثقافة الإيرانية” و”أسابيع الأفلام الإيرانية”، وطباعة كتب إلكترونية لبناء جسور ثقافية وإظهار أبعاد جديدة للفكر الإيراني. خلال الفترة (2020-2026)، تضاعفت جهود التوسع الثقافي، بفتح مراكز جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى.

– المؤسسات التعليمية: تركز على التعليم الجامعي والدراسات الدينية والفقهية، من أبرزها جامعة “المصطفى العالمية” في قم ولها فروع في أكثر من (50) دولة، وجامعة “الإمام الصادق” في طهران لتأهيل النخب الدينية والسياسية، وجامعة “باقر العلوم” في قم المتخصصة في العلوم الاجتماعية والدينية، والمعاهد العالمية في قم ومشهد. وتمنح شهادات في العلوم الإسلامية وغيرها من العلوم. تتولى دور ومراكز قرآنية تدريس الدعوة والفقه، مثل دار “القرآن الكريم”، ومؤسسة “الإمام الخميني للتعليم والبحوث”.

بجانب تدريس أصول الفقه والتفسير والعقيدة والعلوم الإنسانية، تطرح بعض الجامعات تخصصات معاصرة مثل القانون الدولي الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي. وتوفر بعضها منحًا دراسية تشمل السكن والمخصصات المالية للطلاب الأجانب، وتمنح درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه. تخضع أغلب الجامعات الدينية لإشراف من جهات مرتبطة بالمرشد الأعلى. يعتمد تمويلها على الموازنة العامة، ودعم من مؤسسات دينية وخيرية. في الفترة (2010-2026)، أطلقت الجامعات الدينية برامج دراسية إلكترونية بعدة لغات، ودمجت مواد في الذكاء الاصطناعي والإدارة للمناهج.أمن دولي ـ إيران تتشظى، ست جمهوريات تنهض من رماد الولي الفقيه

الإعلام التقليدي

– القنوات الفضائية: احتكرت إيران البث التلفزيوني والإذاعي، على المستوى الوطني، عبر هيئة الإذاعة والتليفزيون الإيرانية “IRIB”، بحسب المادة (175) من الدستور الإيراني، وتمثل المؤسسة الإعلامية الرسمية في إيران. وترتبط مباشرة بالمرشد الأعلى، وتضم أكثر من (50) قناة تلفزيونية وإذاعية محلية ودولية. وتتعدد الوكالات الإخبارية الرسمية وشبه الرسمية، ومن أبرزها وكالات “إرنا”، و”فارس”، و”تسنيم”، و”مهر”، و”إيسنا”. ولايزال الإعلام الإيراني يخضع لإشراف الدولة بدرجات متفاوتة.

من أبرز القنوات، شبكة الأخبار الإيرانية “IRINN”، التي تبث الأخبار المحلية والدولية وسياسات الحكومة، والقناة الأولى التي تعد القناة العامة الرئيسة لتقديم الأخبار والبرامج السياسية والاجتماعية، والقناة الثانية التي تركز على برامج الأسرة والشباب والبرامج الثقافية والتعليمية، والقناة الثالثة التي تستهدف الشباب بالبرامج الترفيهية والرياضية، والقناة الرابعة تعد قناة ثقافية وعلمية وأكاديمية.

– الإعلام متعدد اللغات: اعتمدت إيران على الإعلام الموجه للخارج، كقوة ناعمة لاستقطاب جمهور أكبر، إذ أطلقت في 2007، قناة “برس تي في” الناطقة باللغة الإنجليزية، وتستهدف الجمهور الدولي بتقديم الأخبار والرواية الإيرانية للأحداث العالمية. تعد قناة “العالم” القناة الإخبارية الدولية الرسمية لإيران الناطقة باللغة العربية، وتغطي كافة قضايا الشرق الأوسط. لدى إيران قناة “إيسبان تي في” الناطقة باللغة الإسبانية، وموجهة للجمهور في إسبانيا وأمريكا اللاتينية. حرصت إيران على توسيع أدوات القوة الناعمة، بإطلاق قناة  “أي فيلم” في 2010، كشبكة ترفيهية دولية مخصصة لإذاعة الأفلام والمسلسلات، ومنصة وإذاعة “بارس توداي” متعددة اللغات التي انطلقت في 2016.

الفضاء الإلكتروني

– وسائل التواصل: رغم القيود الحكومية المفروضة وحجب بعض المنصات العالمية، لايزال الإيرانيون يستخدمون المنصات الإلكترونية عبر خدمات VPN “، ومن أبرزها “تليغرام”، و”إنستغرام”، و”إكس” و”واتساب”، وقبل حجب إنستغرام في سبتمبر 2022، بلغ مستخدمي التطبيق (53.1%)، ويستخدم حوالي (20-25) مليون إيراني تليغرام رغم حظره في 2018. أطلقت إيران تطبيقات محلية يرجح مراقبتها، مثل “روبيكا” بنحو (35) مليون مستخدم، و”إيتا” أكثر من (15) مليون شخص، و”بله” قرابة (10) مليون مستخدم. ويظل “يوتيوب” محجوبًا رسميًا، وتعد منصة “آبارات” البديل منذ تأسيسها في 2011.

-الحملات الرقمية: تقود جهات حكومية مثل “الوزارات”، و”الحرس الثوري”، و”المجلس الأعلى للفضاء السيبراني”، و”الإذاعة والتلفزيون الرسمي”، حملات رقمية عبر المواقع الحكومية ومنصات التواصل الاجتماعي. وتوظف أيضًا الأندية والجامعات والمنظمات الشبابية في تعبئة الرأي العام. لجأ النظام في الحرب الراهنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مثل هذه الحملات، مثل “حملة السلسلة البشرية لشباب إيران من أجل غد مشرق” في أبريل 2026، لحشد الشباب لحماية البنية التحتية. نشرت عبر “إكس”، و”تليغرام”، و”إنستغرام”، مقاطع فيديو وصور تظهر تدمير قواعد أمريكية أو إسقاط طائرات وسفن أمريكية، ونشرت حسابات تابعة للحرس الثوري سرديات مثل، القدرة على ردع الولايات المتحدة، وإخفاء الغرب حقيقة الحرب، وتكبد إسرائيل والولايات المتحدة خسائر كبيرة.

– إنتاج المحتوى: يتنوع المحتوى المقدم من قبل النظام الإيراني، بنشر الأخبار الرسمية عبر المواقع الحكومية ووكالات الأنباء مثل “إرنا”، و”مهر”، وإيسنا”. وتروج للسياسات الحكومية مثل البرنامج النووي والأمور الدينية مثل الحجاب، عبر بث فيديوهات قصيرة على منصات التواصل الاجتماعي. وتروج للقيم الأساسية للدولة والثورة الإسلامية، عبر إنتاج أعمال درامية وبثها عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية. تشارك وكالات إعلامية شبه رسمية ومؤسسات تابعة للحرس الثوري، في بث محتوى رقمي وفيديوهات تروج لأفكار النظام.

– الخطاب الموجه للشباب: يستغل النظام الإيراني، توسع استخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بين الشباب، لتعزيز خطاب المقاومة ومعاداة الولايات المتحدة وإسرائيل، والترويج للقيم الدينية وفقًا للمذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري، وتصوير الوظائف الحكومية باعتبارها وسيلة لخدمة الدولة وبناء المستقبل. حظي هذا الخطاب الإلكتروني الموجه للشباب، بقبول لدى الفئة المحافظة والمتدينة، وبرفض وسخرية من قبل المعارضة، لذا فرضت الحكومة قيودًا على المؤثرين ومنصات التواصل للحد من دعوات الاحتجاج والخطاب المناهض لها. الإمارات ودول الخليج في مواجهة شبكات حزب الله وإيران العابرة للحدود

الشبكات العابرة للحدود

– الجمعيات: وظفت إيران الجمعيات الخيرية في نشر أفكارها ونفوذها واستقطاب أشخاص، واعتادت على تسميتها بأسماء أئمة وشخصيات دينية لدى المذهب الشيعي، وإسناد إدارتها لرجل دين يتمكن من جذب الجمهور. وتوسعت في هذه الاستراتيجية في الداخل منذ 1979، وفي العراق منذ 2003. يرتكز دور الجمعيات على تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للفئات الفقيرة، وتمويل الحوزات العلمية والمساجد والمراكز الدينية، دعم تنظيم المؤتمرات والندوات والأنشطة الثقافية والدينية، ودعم نشر الكتب والمجلات الدينية بلغات مختلفة. تقدم الجمعيات منحًا دراسية، لاستقطاب الطلاب الأجانب للدراسة في إيران. توسعت هذه الأنشطة في محافظات الوسط والجنوب العراقي ذات الأغلبية الشيعية.

من أبرز الجمعيات الخيرية، لجنة “الإمام الخميني للإغاثة” التي تعد أكبر مؤسسة خيرية لمكافحة الفقر وتقديم الإعانات والقروض والمنح الدراسية داخل وخارج إيران. تمثل مؤسسة “المستضعفين” ثاني أكبر تكتل اقتصادي في إيران، لتمويل الأنشطة الخيرية والثقافية والدينية ذات الطابع الأيديولوجي. وترسخ مؤسسة “الشهيد وشؤون المضحين” لتقديم الرعاية لأسرى الجرحى والقتلى. تتولى جمعية “العتبة الرضوية” في مشهد، تمويل الحوزات بالداخل والخارج، ما يجعلها من أهم الجمعيات في نشر الفكر الشيعي. وتعد “15 خرداد” مؤسسة خيرية تنموية لتشارك في برامج الدعم المجتمعي ذات البعد الأيديولوجي. بينما تمول مؤسسة “هيئة تنفيذ أمر الإمام” الخاضعة لإشراف المرشد الأعلى، مشروعات دينية وخيرية.

– المؤتمرات: تمثل وسيلة لنشر “التشيع”  ـ ولاية الفقيه وفقًا لرؤية النظام الإيراني، وإثبات حضوره الفكري والديني، عبر بناء شبكة علاقات مع علماء الدين والمؤسسات الإسلامية في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ووظفتها في دعم خطاب وكلاء إيران بالشرق الأوسط، لجذب نخب دينية وسياسية في المنطقة. من أشهر المؤتمرات، المؤتمر الدولي للوحدة الإسلامية، ويعد مؤتمر ديني تنظمه إيران منذ 1987، ويعقد سنويًا في طهران ويجمع علماء سنة وشيعة وشخصيات من دول مختلفة، لتعزيز خطاب الوحدة الإسلامية وفقًا للرؤية الإيرانية. تم إطلاق مؤتمر “الصحوة الإسلامية” بعد احتجاجات 2011 في الشرق الأوسط، وجمع قادة حركات إسلامية لمواجهة الغرب. بينما ينظم مجلس الشورى الإسلامي، مع مؤسسات رسمية أخرى، “المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة الفلسطينية”، لإبراز الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية. يستقطب مؤتمر “الإمام الرضا الدولي” علماء وباحثين من دول متعددة، وينظم المجمع العالمي لأهل البيت، المؤتمر “الدولي لأهل البيت”، للتواصل مع المؤسسات والشخصيات الشيعية في العالم.

– المنح التعليمية: تعد إحدى أدوات القوة الناعمة الإيرانية، لاستقطاب الطلاب الأجانب، وتصدير صورة بأن إيران مركز عالمي للدراسات الشيعية والإسلامية، ومن بينها منح “جامعة المصطفى العالمية” كأكبر برنامج منح مخصص للطلاب الأجانب في العلوم الإسلامية والإنسانية واللغات. وتستقبل أكثر من (40) ألف طالب أجنبي، ويمثل طلابها (122) جنسية، وخرجت عشرات الآلاف من الطلاب. تقدم منح “الحوزات العلمية” في قم ومشهد لطلاب العلوم الشرعية، وتشمل الدراسة والإقامة والإعاشة، إضافة إلى منح منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية، لدراسة اللغة الفارسية والثقافة الإيرانية وبرامج التبادل الأكاديمي. تتضمن معظم المنح، الإعفاء الكامل أو الجزئي من الرسوم الدراسية، والسكن الجامعي مجانيًا أو مدعومًا، ومخصصات مالية شهرية، وتأمينًا صحيًا، وبرامج تخص اللغة والثقافة، وندوات دينية وفكرية. الميليشيات المسلحة،عوامل الظهور، المخاطر والمعالجات.ملف

تحديات الخطاب

– التحولات الديموغرافية: تشهد إيران تغيرات سكانية، تتمثل في تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع معدلات الشيخوخة. ويشكل الشباب نسبة كبيرة من السكان، مع ارتفاع مستويات التعليم والانفتاح على العالم الرقمي، مما أدى لزيادة معدلات التحضر واتساع استخدام الإنترنت، واتساع دوائر الاهتمام بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل توافر فرص العمل والحريات.

– الإعلام الجديد: توسع استخدام منصات “تليغرام” و”إنستغرام” و”إكس” في إيران رغم القيود المفروضة عليها، لذا تصاعدت صناعة المحتوى ودور المؤثرين، مما قلل من تأثير الإعلام التقليدي مقابل الإعلام الرقمي، في ظل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتداول المحتوى السياسي والإعلامي.

– المنافسة الفكرية: ظهرت خطابات أخرى منافسة للخطاب الإيراني، مثل الخطاب الوطني الذي يركز على الهوية الإيرانية بعيدًا عن الأيديولوجية الدينية. وتبنى التيار الإصلاحي خطابًا يدعو لانفتاح سياسي واجتماعي أكبر. ودخلت أفكار جديدة للمجتمع الإيراني عبر الانفتاح على ثقافات أخرى، ما أدى لظهور خطاب يجمع بين الدين والموضوعات المرتبطة بالعلوم والابتكار.

– اختلاف السياقات المحلية: تواجه محاولات إيران في نقل أفكارها تحديًا، لاختلاف المجتمعات بين أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، لاسيما وأن النخب الدينية والسياسية تختلف من دولة إلى أخرى، بجانب تباين القوانين المحلية المؤثرة على المؤسسات التعليمية والدينية.

سيناريوهات مستقبل الخطاب الأيديولوجي

– الاستمرار: يرتكز هذا السيناريو على بقاء الخطاب الأيديولوجي بصيغته الحالية، القائم على أن ولاية الفقيه أساس النظام السياسي. ويواصل النظام توظيف المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلام الرسمي في الترسيخ لهذا الخطاب.

– التكيف: يرتبط هذا السيناريو باحتفاظ إيران بالمرتكزات الرئيسية لولاية الفقيه، ولكن مع إعادة صياغتها وفقًا للمتغيرات السياسية والاجتماعية، بحيث يجمع الخطاب بين الهوية الدينية والهوية الوطنية، وإبراز الإنجازات العلمية والتنموية، وتوجيه هذا الخطاب إلى الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي.

– إعادة إنتاج الخطاب: يركز هذا السيناريو على تقديم خطاب أكثر براغماتية، بما يتماشى مع الأيديولوجية الإيرانية، والثوابت الأساسية في الخطاب، وقد يلجأ النظام لتوسيع مفهوم القوة الناعمة ليشمل نواحي أكثر توسعًا في التعليم والثقافة والاقتصاد.

– التحول الرقمي: يتمثل في انتقال الخطاب إلى الفضاء الرقمي الأكثر تطورًا، بتوظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في استهداف الجمهور الأصغر سنًا، والاعتماد على الفيديوهات القصيرة والمؤثرين في نشر الأفكار الأيديولوجية.

**

تقييم وقراءة مستقبلية

– يشير تطور الفكر السياسي الشيعي إلى أن نظرية ولاية الفقيه لم تكن نتاجًا لحظة تاريخية واحدة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من الاجتهادات الفقهية التي انتقلت من التركيز على المرجعية الدينية والولاية الحسبية في عصر الغيبة إلى طرح تصور يمنح الفقيه دورًا سياسيًا مباشرًا في إدارة الدولة.

– لا يزال هذا النموذج محل خلاف واسع داخل الطوائف الشيعية نفسها، إذ تتمسك مرجعيات بارزة، ولا سيما في النجف، بمفهوم أكثر تحفظًا لدور الفقيه، يقوم على الإرشاد الديني والولاية الحسبية دون تبني الولاية السياسية المطلقة.

– من المرجح أن يستمر الجدل الفكري حول ولاية الفقيه بالتوازي مع التحولات السياسية والإقليمية التي تشهدها المنطقة. فمن جهة، سيبقى النموذج الإيراني حريصًا على الحفاظ على مكانة الولي الفقيه باعتباره الضامن لاستمرارية النظام، مع احتمال إدخال تعديلات إجرائية على آليات الحكم دون المساس بجوهر النظرية.

– من المحتمل أن تزداد الدعوات داخل بعض الأوساط الدينية والفكرية إلى إعادة النظر في حدود الولاية السياسية، بما يحقق توازنًا أكبر بين المرجعية الدينية والمؤسسات المنتخبة.

– من المتوقع أن تظهراجتهادات جديدة تعيد صياغة العلاقة بين الدين والدولة، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الأسس العقدية التي يقوم عليها المذهب الإمامي.

**

– نجح الخطاب الإيديولوجي لولاية الفقيه في تحويل الطقوس والمظلوميات التاريخية من طاقة حزن سلبي إلى وقود سياسي وعسكري متحرك، ما يمنح القرار السياسي أو العسكري “قدسية فقهية” تجعل عقيدة الشهادة خيارًا عقلانيًّا داخل المنظومة العقائدية.

– من خلال إعادة تعريف مصطلحات مثل “المستضعفين” و”الاستكبار”، تمكّن النظام الإيراني من صياغة سردية جاذبة تتجاوز البعد المذهبي الضيق أحيانًا، مما أتاح لطهران بناء عمق استراتيجي إقليمي غير مسبوق عبر “محور المقاومة”.

– لضمان ديمومة “الشرعية الثورية”، استحدث النظام كيانات موازية، ما يحمي النظام من الانقلابات الداخلية، لكنه يخلق ترهلًا وصراعًا صامتًا بين “منطق الدولة” الذي يتطلب تنمية واستقرارًا، و”منطق الثورة” الذي يتغذى على الأزمات الدائمة والحصار الوجودي.

– عند غياب المرشد، سيواجه مجلس خبراء القيادة تحديًا هائلًا في إيجاد شخصية تجمع بين “المشروعية الفقهية العليا” و”البصيرة السياسية”، ما قد يدفع نحو “عسكرة المقعد”، حيث سيلعب الحرس الثوري الدور الحاسم في تسمية المرشد القادم، مما يحول النظام عمليًا من ثيوقراطية فقهية نقية إلى “ديكتاتورية عسكرية بعباءة دينية”.

– اتساع الفجوة بين “الخطاب الجامد للنظام” والواقع السوسيولوجي للشارع سيجبر النظام مستقبلاً على الاختيار بين: القمع الشمولي المستمر أو الانتقال التدريجي نحو إدارة التنمية وتقديم تنازلات في الهوية الثورية لصالح المصلحة الوطنية.

– بناء الشرعية على استعداء “الولايات المتحدة وإسرائيل” ووصفها بأنها شر محض يحرم النظام من مرونة المناورة الجيوسياسية الكاملة، وأن هذه الشعارات “أدوات تعبئة” للاستهلاك المحلي والإقليمي، لكن التطبيق العملي للسياسة الخارجية الإيرانية سيتجه أكثر نحو البراجماتية النفعية.

– وصلت ولاية الفقيه إلى مرحلة النضج البنيوي الأقصى، حيث لا يمكنها التمدد أكثر دون المخاطرة بانهيار المركز، فديمومة هذا النظام في المستقبل لن تعتمد على مدى قدرته على “التعبئة العقائدية”، بل على مدى مرونته في “التحول الوظيفي” من حالة الثورة إلى حالة الدولة، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي الداخلي بعيدًا عن القدسية المطلقة للفقيه.

**

– ساهمت القوة الناعمة الإيرانية المتمثلة في المؤسسات الدينية والثقافية والتعليمية، في الترويج لأفكار النظام الإيراني وأيديولوجية ولاية الفقيه على مدار نحو (4) عقود، ومن المحتمل أن تتوسع إيران في استخدام هذه الأدوات في التوقيت الراهن، في ظل الحرب القائمة والتوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لعرض الرواية الإيرانية المتعلقة بالداخل الإيراني وتماسكه أمام السردية الغربية، التي تروج إلى انقسامات كبيرة بين التيارين الإصلاحي والمتشدد حول المفاوضات ومآلات الحرب.

– من المتوقع أن تتوسع إيران في توظيف مواقع التواصل الاجتماعي، لصالح نشر أفكارها المتعلقة بولاية الفقيه والأمور الدينية من ناحية، وتعبئة الرأي العام الإيراني لصالح الدولة وضد الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، تحسبًا لأي تصعيد محتمل قد يطرأ في الحرب الحالية.

– من المرجح أن يتراجع تمويل الجمعيات والمؤسسات الدينية والتعليمية داخل وخارج إيران، جراء التداعيات الاقتصادية للحرب الحالية وحرب الـ (12) يومًا مع إسرائيل في يونيو 2025، وفرض العقوبات الغربية على مؤسسات إيرانية، ما قد يؤدي إلى تراجع تأثير هذه القوة الناعمة الإيرانية لاسيما بالخارج.

– تفرض المتغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية واقعًا جديدًا على إيران، ما قد يدفعها لتطوير الخطاب السياسي والديني وفقًا للمستجدات، والجمع بين أدوات القوة الناعمة التقليدية التي تستخدمها منذ 1979 بالداخل والخارج، والمرتبطة بالمؤسسات التعليمية والدينية والثقافية، وأدوات القوة الناعمة المتطورة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والخطاب المناسب للشباب.

– تظل الجمعيات الخيرية من أهم أدوات إيران، في جذب وإقناع الناس بالداخل والخارج بأيديولوجية النظام الإيراني الحالي، نظرًا لأنها تستهدف الطبقات الاجتماعية ذات المستوى المنخفض، وتعتمد على تقديم المساعدات والإغاثة في الأزمات، لاسيما في الدول التي يتوسع فيها نفوذ إيران مثل لبنان والعراق.

– قد تتصاعد التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة أمام الخطاب السياسي والديني الإيراني المرحلة المقبلة، في ظل الحرب وغياب المرشد الحالي مجتبى خامنئي عن الظهور، إضافة إلى ظهور تيارات جديدة تتبني خطابًا إصلاحيًا يتعارض مع خطاب ولاية الفقيه، ما قد يجعل المرحلة الحالية اختبارًا حقيقيًا أمام النظام السياسي الإيراني.

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

موصى به

مضيق هرمز ـ ما تداعيات حرب إيران على أمن الممرات البحرية؟

مناجم أفغانستان وثرواتها المعدنية النادرة.. نعمة أم نقمة؟

الأخبار الأكثر قراءة

  • ولاية الفقيه ـ الجذور الفكرية والتحولات العقائدية

    0 المشاركه
    شریک 0 ټویټ 0
  • “داعش” ـ ما حجم تهديد تنظيم داعش في أوروبا ؟

    0 المشاركه
    شریک 0 ټویټ 0
  • مضيق هرمز ـ ما تداعيات حرب إيران على أمن الممرات البحرية؟

    0 المشاركه
    شریک 0 ټویټ 0
  • ولاية الفقيه كأيديولوجيا سياسية دينية ـ قراءة في الجذور الفكرية والخطاب وآليات الانتشار. ملف

    0 المشاركه
    شریک 0 ټویټ 0
  • المائة عام القادمة… إعادة قراءة للمستقبل

    0 المشاركه
    شریک 0 ټویټ 0

تواصل معنا

  • الرئيسية
  • من نحن

© 2026 الملف الأفغاني

لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الأخبار
  • تقارير خاصة
  • تقدير موقف
  • دراسات تحليلية
  • المناجم و التعدين
  • من نحن

© 2026 الملف الأفغاني

Exit mobile version