عبد الكريم مصطفى
شهادة مستشار الأمن القومي الأفغاني السابق تفتح أبواب القصر في سنواته الأخيرة، وتعرض رواية عن الانقسام والفساد والتخلي الأميركي، لكنها تستدعي أيضًا مساءلة القيادة التي أخفقت في حماية الدولة.
في اللحظة التي تحوّل فيها السؤال من كيفية إنقاذ الجمهورية الأفغانية إلى كيفية إدراج رئيسها على قائمة الإجلاء، كانت السلطة في كابول تواجه انهيارًا يتجاوز خسارة الأراضي. هكذا يمكن قراءة أحد أكثر المشاهد دلالة في رواية حمد الله محب، مستشار الأمن القومي السابق: مسؤول قريب من الرئيس أشرف غني يستفسر من الجانب الأميركي عن إمكانية إجلائهما، بينما تتداعى المؤسسات التي كان يُفترض أن تتولى حماية البلاد.
يختزل هذا المشهد المأزق الذي تتناوله مذكرات «ظلال فوق كابل: رواية من الداخل عن سقوط الجمهورية الأفغانية». فمحب يروي انهيار الدولة من داخل دائرتها الحاكمة، ويعيد، في الوقت نفسه، تقديم سجل تلك الدائرة والدفاع عن خياراتها. وبين هذين المسارين تتحدد قيمة شهادته وحدودها: قربٌ استثنائي من القرار، وارتباطٌ سياسي وشخصي بأصحابه.
صدر الكتاب، بحسب بيانات بلومزبري، في 17 سبتمبر/أيلول 2026، بمشاركة الصحفي تام حسن ويستند إلى مقابلات أُجريت مع محب بين عامي 2021 و2024، ويتتبع انتقاله من حياة اللجوء إلى العمل الدبلوماسي ثم إلى موقعه في قلب السلطة الأفغانية. وهذه الخلفية تجعل منه شهادة استرجاعية صيغت بعد معرفة النهاية، وهو عامل ينبغي أخذه في الحسبان عند تقييم تفسيره للأحداث.
تتوزع رواية محب بين صراعات النخبة في كابل، والمحسوبية داخل المؤسسات، وتبدّل أولويات واشنطن، وصولًا إلى مغادرته البلاد مع غني في 15 أغسطس/آب 2021. وتظهر في هذه الرواية قناعة أساسية: أن مشروع الجمهورية أُضعف من الداخل بتنافس القوى السياسية، ومن الخارج بسياسة أميركية انتهت إلى تهميش الحكومة التي دعمتها سنوات طويلة.
غير أن هذا التفسير يضع القارئ أمام سؤال ملازم: ما نصيب محب وغني من المسؤولية عن دولة كانا يشاركان في قيادتها، ثم اكتشفا، عند اللحظة الحاسمة، أنها لا تملك القدرة على الاستمرار؟
يقدّم محب غني بوصفه سياسيًا مؤمنًا ببناء المؤسسات، ومكافحة الفساد، وتقليص نفوذ أمراء الحرب. وفي المقابل، تظهر شخصيات عديدة من خصوم الرئيس باعتبارها حامية لشبكات المصالح أو معطِّلة للإصلاح. يمنح هذا التوزيع الرواية وضوحًا، لكنه يثير مشكلة نقدية: إذ تُفسَّر أفعال الرئيس من خلال مقاصده الإصلاحية، فيما تُفسَّر أفعال منافسيه غالبًا من خلال طموحاتهم وولاءاتهم.
والفارق بين المقاصد والنتائج أساسي هنا. فالرغبة في بناء دولة حديثة لا تكفي للحكم على نجاح القيادة. المطلوب أيضًا تفسير قدرتها على بناء التحالفات، وإدارة الخلاف، وإصلاح المؤسسات من دون تفكيك التوازنات التي تتيح لها العمل. وإذا كانت شبكات النفوذ قد قيّدت مشروع غني، فإن تقييم رئاسته يقتضي السؤال عما إذا كانت سياساته قد نجحت في تقليص هذا القيد، أم ساهمت في تعميق عزلته.
يتجلى هذا الإشكال في تناول محب العلاقة بين غني وعبد الله عبد الله. فهو يصف انقسامًا تجاوز التنافس الانتخابي وامتد إلى الوزارات والأجهزة الأمنية، بما أضعف التنسيق والقدرة على اتخاذ القرار. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها لأنها تشير إلى خلل في طبيعة السلطة نفسها: مؤسسات تتبع رسميًا دولة واحدة، لكنها تتحرك عمليًا داخل دوائر ولاء متنافسة.
مع ذلك، فإن اعتبار عبد الله عقبة أمام غني لا يفسر وحده الأزمة. فالتسوية التي أنشأت حكومة الوحدة الوطنية كانت استجابة لخلاف على الشرعية، وتقييمها يستلزم النظر في أسباب ذلك الخلاف، وفي مسؤولية الطرفين عن إدارة الشراكة. ويمكن أن تكون تقاسمًا معطّلًا للسلطة ومحاولة لمنع صدام أوسع في آن واحد. أما الاكتفاء بتصويرها تنازلًا فُرض على فائز مستحق، فيتبنى موقف أحد طرفي النزاع.
ومن التفاصيل اللافتة اعتراف محب، وفق المادة المعروضة، بأنه نظر في البداية إلى عبد الله بريبة بسبب صلاته بالتحالف الشمالي، قبل أن تتغير نظرته مع معرفته المباشرة به. يتجاوز هذا الاعتراف حدود العلاقة الشخصية؛ فهو يفتح بابًا لفهم أثر التصنيفات العرقية والسياسية في أحكام النخبة. وكان من شأن توسيع هذا النوع من المراجعة الذاتية أن يمنح الرواية قدرة أكبر على تفسير القرارات، لا مجرد وصف الخصومات.
تبدو الشهادة أكثر ملموسية حين تنتقل إلى المؤسسات. يصف محب مجلس الأمن القومي الذي تسلّمه بأنه جهاز متضخم يضم نحو 900 موظف، تنتشر فيه المحسوبية ويغيب الوضوح عن مهام بعض العاملين. ويتحدث عن تقارير نمطية، وتعيينات تخدم العلاقات السياسية، وأوجه قصور في البنية التقنية للاتصالات الآمنة.
إذا صحت هذه التفاصيل، فإنها تكشف فجوة بين المظهر الرسمي للدولة وقدرتها الفعلية على العمل. فوجود مجلس أمن قومي كبير لا يعني وجود منظومة قادرة على جمع المعلومات، وتمحيصها، وتحويلها إلى تقديرات وقرارات. وقد يصبح تضخم الجهاز وسيلة لتوزيع الامتيازات بدلًا من تحسين الأداء.
لكن هذه الإفادات تستدعي مساءلة صاحبها أيضًا. ماذا تغيّر بعد توليه المسؤولية؟ ما الإصلاحات التي نفّذها، وما العوائق التي عجز عن تجاوزها؟ وكيف انعكس ذلك على قدرة القيادة على توقع الانهيار والاستعداد له؟ لا يقدّم العرض المتاح إجابات كافية عن هذه الأسئلة، ولذلك تظل المسافة واسعة بين تشخيص المؤسسة الموروثة وتقييم حصيلة من تولّى إدارتها لاحقًا.
وينطبق المنطق نفسه على تناوله حنيف أتمار. فاتهام مسؤول باستخدام منصبه لبناء قاعدة انتخابية يستحق الفحص، لكنه لا يصبح دليلًا على التخطيط لانقلاب سياسي لمجرد اقترانه بالطموح إلى الرئاسة. المطلوب التمييز بين المنافسة السياسية، واستغلال الموارد العامة، ومحاولة تقويض النظام؛ وهي أفعال مختلفة تحتاج إلى أدلة مختلفة.
أما انتقادات محب لصلاح الدين رباني وشبكات النفوذ المرتبطة بالجمعية الإسلامية، فتجمع، وفق العرض، بين ملاحظات على الإدارة والتعيينات وأحكام على الشخصية والدوافع. والأولى قابلة للتحقق من خلال السجلات والقرارات والشهادات المتقاطعة، بينما تظل الثانية تقديرات لشخص كان طرفًا في الصراع. وتزداد ضرورة هذا الفصل عند تناول اتهامات الفساد أو الروابط الاستخباراتية التي يوردها بشأن شخصيات أخرى؛ فمكانة الراوي لا تحول الاتهام إلى واقعة مثبتة.
وفي المقارنة بين حامد كرزاي وأشرف غني، تبرز معضلة أوسع من المفاضلة بين رجلين. يمثّل كرزاي، في تصوير محب، مهارة إدارة العلاقات والتوازنات، بينما يمثّل غني الطموح إلى بناء المؤسسات. غير أن إدارة دولة منقسمة تحتاج إلى قواعد عامة وإلى قدرة سياسية على تأمين القبول بهذه القواعد. فالتوافق الذي يحمي المحسوبية يقوّض الدولة، والإصلاح الذي يعجز عن بناء قاعدة تأييد قد يفقد أدوات تنفيذه.
وتبلغ رواية محب ذروتها الاتهامية عند تناول الدور الأميركي، ولا سيما دور زلماي خليل زاد. فهو يرى أن واشنطن نقلت مركز اهتمامها من بقاء الجمهورية إلى تأمين انسحابها، وأن المفاوضات المباشرة مع طالبان جرّدت الحكومة الأفغانية من مكانتها في تقرير مستقبل البلاد.
لهذا الجانب من الرواية سند يتجاوز شهادة محب. فقد خلص تقرير المفتش العام الأميركي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان «سيغار» إلى أن استبعاد الحكومة من المفاوضات الأميركية المباشرة مع طالبان أضعف موقفها التفاوضي وعزّز موقف الحركة. وهذا يدعم نقد بنية العملية التفاوضية وآثارها، لكنه لا يثبت تلقائيًا اتهامات محب بشأن النيات الشخصية لخليل زاد.
والتمييز هنا ضروري لفهم الكارثة. فوصف السياسة الأميركية بالخيانة يعبّر عن تجربة حليف شعر بأن التزامًا أساسيًا تجاهه قد نُقض، لكنه لا يكفي لتحليل سلسلة القرارات التي أنتجت الانهيار. يحتاج التفسير إلى بحث الأهداف الأميركية، وأدوات الضغط التي تخلت عنها واشنطن، وحسابات طالبان، وكذلك تقديرات القيادة الأفغانية لما يمكن أن تفعله بعد تغيّر موقف داعمها الأكبر.
كما أن التركيز الشديد على خليل زاد قد يحجب مسؤولية المؤسسات والإدارات التي منحت التفاوض أهدافه وصلاحياته. وبالمثل، فإن اختزال أسباب السقوط في التخلي الأميركي يترك دون تفسير كافٍ كيفية إدارة كابل لاعتمادها على الخارج، وما إذا كانت قد بنت بدائل واقعية أو تعاملت بجدية مع احتمال انتهاء الدعم بالشكل الذي اعتادته.
في الصفحات المتعلقة بالأيام الأخيرة، كما ينقلها محب، تتراجع لغة المشروعات والإصلاح أمام الخوف الفردي. مسؤولون يسعون إلى تأمين خروج أسرهم، ومساعدون تُدرج أسماؤهم على قوائم الإجلاء، ومستشار أمن قومي يستحضر مصير الرئيس السابق نجيب الله وهو يفكر في سلامة غني.
يروي محب أنه تواصل مع المسؤول الأميركي توم ويست للاستفسار عن إدراجهما على قائمة الإجلاء، ثم أرسل طلبًا مكتوبًا لم يتلقَّ عليه سوى إقرار مقتضب بالاستلام. وقد فهم الرد بوصفه علامة على أن الحكومة فقدت منزلتها لدى حليفها.
تكمن قوة هذا المشهد فيما يكشفه عن شعور القيادة بالعزلة، لكن الاستنتاج السياسي يبقى تفسير محب للمراسلة. فالرد المقتضب وحده لا يثبت جميع المعاني التي حمّله إياها. وفي المذكرات، تتداخل الواقعة مع الأثر النفسي الذي تركته؛ ومن مسؤولية القراءة النقدية أن تحفظ هذا الفارق.
ويبلغ التداخل أقصاه في وصف الرحيل بالمروحية عن كابل. ينقل محب صورة عاصمة تغيب تحت أنظار رجال كانوا يديرونها، وخوفًا من أن تكون النهاية موتًا أثناء الفرار. يمنح هذا الاعتراف الرواية بعدًا إنسانيًا، لكنه لا يحسم الأسئلة العامة المتعلقة بالمغادرة: كيف اتُّخذ القرار؟ وما المعلومات التي استند إليها؟ وما البدائل التي نوقشت؟ وما الترتيبات التي وُضعت لاستمرار القيادة أو نقل السلطة؟
لا ينبغي اختزال هذه الأسئلة في مطالبة أشخاص بالموت لإثبات شجاعتهم. موضوع المساءلة هو إدارة مسؤولية عامة في ظرف استثنائي، والتمييز بين قرار يتعلق بالنجاة الشخصية وقرار تترتب عليه آثار تمس مؤسسات الدولة وملايين المواطنين.
وهنا يظهر أيضًا حدّ زاوية النظر التي تقدمها المادة. فنحن نرى السقوط أساسًا من القصر، وبين السفراء والمبعوثين وقادة الأحزاب. أما تجارب الجنود والموظفين والسكان، فتصل إلى القارئ بدرجة أقل. ولا يمكن الجزم من هذا العرض بمدى حضورها في الكتاب الكامل، لكن فهم انهيار الجمهورية يحتاج إلى وصل قرارات النخبة بأحوال من كان يُنتظر منهم تنفيذها والدفاع عنها.
تمنح «ظلال فوق كابل»، وفق الرواية المتاحة، مادة مهمة لفهم كيف رأت الدائرة الأقرب إلى غني نفسها وخصومها وحلفاءها في طريقها إلى النهاية. وتبرز قيمتها في التفاصيل الإدارية والمشاهد الشخصية التي تكشف تراجع الثقة، وتشتت الولاءات، وانتقال التفكير من حماية النظام إلى النجاة من سقوطه.
لكن الشهادة تصبح أكثر فائدة حين تُقرأ إلى جانب روايات أخرى ووثائق مستقلة، وحين يُسأل صاحبها عن قراراته بالصرامة نفسها التي يحاكم بها قرارات الآخرين. فمحب شاهد على الانهيار وأحد المسؤولين عن إدارة الدولة في مرحلته الأخيرة. والقراءة التي تحفظ هذين الموقعين معًا تستطيع أن تستفيد من مذكراته دون أن تتحول إلى امتداد لمرافعته.
يبقى السؤال الذي تتركه هذه الرواية مفتوحًا أوسع من تحديد من خذل الجمهورية: كيف عجزت قيادة تتحدث باسم بناء المؤسسات عن إنشاء مؤسسات قادرة على الاستمرار عندما تبدّلت حسابات الحليف، واشتد ضغط الخصم، وانفضّ الشركاء؟

