تسعى باكستان من خلال قصف الأراضي الأفغانية، وفق المعطيات الأفغانية، إلى صرف الأنظار عن أزماتها الداخلية، والتغطية على إخفاقاتها الأمنية، والتنصل من التزاماتها بموجب اتفاق مكة. ويرتبط التصعيد أيضًا بتعثر أدوات الضغط السابقة، والعودة إلى القوة العسكرية لفرض ضغوط مباشرة على أفغانستان.
تحويل الاهتمام من أزمات الداخل إلى مواجهة خارجية
يأتي صرف أنظار الرأي العام الباكستاني في مقدمة دوافع القصف. ففتح مواجهة مع أفغانستان ينقل النقاش من الخلافات السياسية والمشكلات الداخلية إلى قضايا الحدود والأمن، ويمنح المؤسسة العسكرية فرصة لتخفيف الضغوط المتعلقة بأدائها ومسؤوليتها عن الأوضاع في البلاد.
وبذلك، تصبح المواجهة الخارجية وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات في الداخل، بحيث يتقدم التصعيد العسكري على مطالب معالجة الأزمات السياسية والأمنية.
التغطية على الإخفاقات الأمنية
يتمثل الدافع الثاني، بحسب المعطيات نفسها، في تقديم تفسير خارجي للإخفاقات الأمنية داخل باكستان. فربط التهديدات بالأراضي الأفغانية يوجّه الاهتمام إلى خارج الحدود، ويقلل التركيز على الثغرات الداخلية ومسؤولية الأجهزة المعنية عن معالجتها.
ويتيح هذا الربط تقديم القصف بوصفه استجابة أمنية، لكنه لا يعالج الأسباب الداخلية للمشكلات، وقد يضيف إليها تبعات مواجهة مع دولة مجاورة.
التنصل من التزامات اتفاق مكة
تربط المعطيات الأفغانية استمرار القصف بمحاولة الابتعاد عن المسؤوليات المترتبة على اتفاق مكة. فمع كل جولة تصعيد، ينتقل الاهتمام من تنفيذ الالتزامات ومتابعتها إلى احتواء المواجهة وتداعياتها.
ويؤدي ذلك إلى تعطيل مسار التفاهمات، وإبقاء العلاقة بين البلدين خاضعة للتطورات العسكرية، بدل الاحتكام إلى الالتزامات المتفق عليها.
تعويض تعثر أدوات الضغط السابقة
تضع المعطيات الأفغانية العودة إلى الهجمات المباشرة في سياق فشل المشروع الذي تصفه الحكومة الأفغانية بـ«الشر والفساد». ووفق هذا التفسير، لجأت باكستان إلى القصف بعدما أخفقت أدوات الضغط السابقة في تحقيق أهدافها.
وعليه، يمثل التصعيد محاولة لفرض نتائج بالقوة العسكرية، وتعويض ما تعذر تحقيقه بوسائل أخرى. غير أن نجاح هذا الخيار ليس مضمونًا؛ فاستمرار الهجمات قد يوسّع المواجهة ويزيد كلفتها، بدل أن يمنح إسلام آباد المكاسب التي تسعى إليها.
وتلتقي هذه الدوافع، في القراءة الأفغانية، عند هدف واحد: استخدام الضغط على أفغانستان لتخفيف الضغوط الواقعة على باكستان داخليًا وخارجيًا. لكن نقل الأزمات عبر الحدود يؤجل معالجتها، ويضيف إليها مخاطر أمنية وسياسية جديدة.

