تتزايد الضغوط على الأفغان المقيمين في باكستان، مع استمرار الاعتقالات والترحيل وفقدان مصادر الدخل، في وقت تواجه فيه أفغانستان صعوبات متنامية في استيعاب العائدين وتوفير السكن والعمل والخدمات الأساسية لهم.
وبحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الواردة في المادة، سُجلت أكثر من 80 ألفًا و900 حالة اعتقال أو احتجاز لأفغان في باكستان. وأفاد عائدون بتعرضهم لسوء المعاملة وفقدان سبل العيش، في ظروف تثير تساؤلات بشأن الحماية المتاحة لهم ومدى قدرتهم على اتخاذ قرار حر بالعودة.
وتشير بيانات المفوضية إلى عودة أكثر من 705 آلاف أفغاني من باكستان منذ بداية عام 2026 حتى 12 سبتمبر/أيلول، ضمن إجمالي تجاوز مليونًا و228 ألف عائد من مختلف الدول حتى 22 سبتمبر/أيلول. كما تجاوز عدد المرحّلين إلى أفغانستان من مختلف الدول خلال العام نصف مليون شخص.
وتختلف هذه الأرقام من حيث نطاقها الزمني والجغرافي؛ فحالات الاعتقال أو الاحتجاز لا تعني بالضرورة عددًا مماثلًا من الأشخاص، كما أن إجمالي العائدين يشمل أنماطًا متعددة من العودة، ولا يقتصر على الترحيل.
ضغوط تطال السكن والعمل والتعليم
تصف المفوضية بيئة الحماية للأفغان في باكستان بأنها تزداد هشاشة، في ظل تقارير عن مضايقات واعتقالات وضغوط لمغادرة المساكن، إلى جانب صعوبات في الوصول إلى العلاج والتعليم وتعطل مصادر الدخل.
وتشمل الإجراءات، وفق ما أوردته المفوضية، مداهمات واحتجازًا ونقل بعض المحتجزين إلى مراكز عبور تمهيدًا لإعادتهم إلى الحدود الأفغانية.
وتتجاوز تداعيات هذه الإجراءات لحظة الاحتجاز أو الترحيل. فالأسر التي بنت حياتها على مدى سنوات في باكستان تواجه احتمال فقدان السكن والعمل وانقطاع تعليم أطفالها، ثم البدء مجددًا في بلد قد تفتقر فيه إلى مورد دخل أو شبكة دعم.
وبين الخشية من البقاء وعدم اليقين بشأن العودة، تضيق الخيارات أمام أسر تجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ قرارات مصيرية تحت ضغط الظروف الأمنية والمعيشية.
متى تكون العودة طوعية؟
يمثل التمييز بين العودة الطوعية والترحيل عنصرًا أساسيًا لفهم حجم الأزمة. فمصطلح «العائدين» يضم أشخاصًا رجعوا بمبادرة منهم، وآخرين تلقوا مساعدة على العودة، وأشخاصًا رُحّلوا.
ولا تكفي مغادرة الأسرة من دون ترحيل مباشر لإثبات أن قرارها كان طوعيًا؛ إذ ينبغي النظر أيضًا إلى الظروف التي سبقت المغادرة، ومنها التهديد بالاحتجاز أو فقدان المسكن والعمل. كذلك، فإن تلقي مساعدة على العودة لا يوضح وحده مدى حرية القرار.
وتؤكد المفوضية ضرورة أن تكون العودة آمنة وطوعية وكريمة، مع ضمان الحماية لمن يحتاجون إليها. ويبرز في هذا السياق مبدأ عدم الإعادة القسرية، خصوصًا في الحالات التي قد يواجه فيها الأشخاص خطر الاضطهاد أو الأذى الجسيم عند إعادتهم.
الوصول إلى أفغانستان لا ينهي المعاناة
على الجانب الآخر من الحدود، تضع موجات العودة المتلاحقة أعباء إضافية على المجتمعات والخدمات داخل أفغانستان. فاستقبال أكثر من مليون عائد يتطلب استجابة تتجاوز توفير المأوى والمساعدة العاجلة إلى تأمين فرص كسب العيش والتعليم والرعاية الصحية.
وتشير المفوضية إلى أن كثيرًا من العائدين يصلون بموارد محدودة ومن دون ممتلكات أو شبكات دعم كافية، ما يزيد صعوبة إعادة اندماجهم. وقد تتحول العودة، في هذه الظروف، إلى انتقال من هشاشة الإقامة في بلد اللجوء إلى هشاشة المعيشة في بلد المنشأ.
وتقول السلطات الأفغانية إنها تنسق مع الدول المضيفة بشأن معاملة مواطنيها وتنظيم عودتهم، وتعمل على تنفيذ برامج لاستقبالهم. ويؤكد المتحدث باسمها، ذبيح الله مجاهد، وجود برامج خاصة بالعائدين.
غير أن حجم الاحتياجات يجعل استدامة الدعم عاملًا حاسمًا؛ فالمساعدة عند المعابر تعالج الضرورات الأولى، بينما يتوقف الاستقرار على قدرة الأسر على تأمين دخل ومسكن والوصول إلى الخدمات بعد انتقالها إلى مناطق الإقامة.
حماية اللاجئين بعيدًا عن الخلافات السياسية
تضع هذه التطورات ملف الأفغان في باكستان عند تقاطع الاعتبارات الإنسانية والسياسات الحدودية والعلاقات بين البلدين. ويقتضي التعامل معه التمييز بين الأوضاع القانونية المختلفة للأفغان، وتقييم احتياجات الحماية لكل حالة، وضمان المعاملة الكريمة وإمكان الوصول إلى إجراءات واضحة.
كما تحتاج المجتمعات المستقبلة داخل أفغانستان إلى دعم يحد من الضغط على خدماتها ومواردها، بحيث تشمل الاستجابة العائدين والسكان المقيمين معًا.
ويبقى المعيار الأهم لنجاح هذه الجهود ما يحدث للأسر قبل عبور الحدود وبعده: هل تستطيع اتخاذ قرارها دون إكراه؟ وهل تُصان سلامتها وحقوقها؟ وهل تجد عند العودة مقومات حياة مستقرة؟ فالوصول إلى الوطن لا ينهي الأزمة ما لم تتوافر شروط العيش فيه بكرامة.

