الأربعاء, أكتوبر 21, 2026
الملف الأفغاني
لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الأخبار
  • تقارير خاصة
  • تقدير موقف
  • دراسات تحليلية
  • المناجم و التعدين
  • من نحن؟
الملف الأفغاني
  • الأخبار
  • تقارير خاصة
  • تقدير موقف
  • دراسات تحليلية
  • المناجم و التعدين
  • من نحن؟
لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
الملف الأفغاني
لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
الرئيسية دراسات تحليلية

العلاقات الأفغانية الباكستانية في ضوء موقف وزير الخارجية الأفغاني الملا أمير خان متّقي في “صيغة موسكو”

أكتوبر 6, 2026 — ⁦9:22 pm⁩ (توقيت كابل)
مدة القراءة: 2 دقائق
0
تشارك
Share on Facebook
Share on Twitter

الدكتور عبدالرازق عبدالوهاب الصافي- الرياض

لم تكن العلاقة بين أفغانستان وباكستان طوال العقود الماضية علاقة جوار عادية، فمنذ قيام باكستان عام 1947، ارتبطت علاقاتها مع أفغانستان بملفات الأمن والحدود والهوية البشتونية والتنافس الإقليمي، ثم اكتسبت العلاقة بعداً أكثر تعقيداً مع الحرب السوفييتية في أفغانستان، وصعود حركة طالبان، والتدخل الأمريكي بعد عام 2001م.

وخلال هذه المراحل، بنت إسلام آباد جزءاً مهماً من مقاربتها للأمن القومي على افتراض أن وجود سلطة صديقة في كابل يمثل عمقاً استراتيجياً مهماً في مواجهة الهند، ويمنحها في الوقت نفسه قدرة أكبر على حماية حدودها الغربية وإدارة التهديدات القادمة من الأراضي الأفغانية.

لكن عودة طالبان -الإمارة الإسلامية- إلى السلطة في أغسطس 2021م لم تنتج بالضرورة العلاقة التي كانت تتوقعها إسلام آباد، فالحركة التي كانت تُعامل في مراحل سابقة باعتبارها فاعلاً مسلحاً يمكن التأثير في خياراته، أصبحت سلطة حاكمة تملك مؤسسات وأجهزة أمنية وعلاقات خارجية وحسابات وطنية خاصة بها، ومن هنا بدأ التناقض بين توقعات باكستان من «طالبان الحليفة» وبين تصور طالبان لدورها كسلطة أفغانية -الإمارة الإسلامية في أفغانستان- تسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال في القرار.

ولذلك فإن الأزمة الحالية لا تبدو مجرد خلاف على كيفية التعامل مع حركة طالبان باكستان، فـTTP تمثل أحد أبرز ملفات الخلاف، لكنها أصبحت جزءاً من منظومة أوسع من النزاعات تشمل الحدود، والسياج الحدودي، واللاجئين، والتجارة، والعبور، والهوية البشتونية، وعلاقة أفغانستان بالهند وإيران والصين وروسيا ودول الخليج والعالم بأسره.

وبهذا المعنى، ينطلق هذا المقال من فرضية أن العلاقة الأفغانية الباكستانية تمر بعملية إعادة تفاوض على قواعد العلاقة، وليس بمجرد أزمة أمنية مؤقتة، مفادها أن انتقال طالبان من فاعل غير حكومي يعتمد بدرجات مختلفة على البيئة الإقليمية إلى سلطة حاكمة تسعى إلى تثبيت استقلال قرارها، أدى إلى تغيير بنيوي في علاقة كانت قائمة جزئياً على تفاوت النفوذ والرعاية الأمنية والسياسية.

ويأتي بيانه في النقاط التالية:

أولاً: من «العمق الاستراتيجي» إلى استقلال القرار:

  1. حركة طالبان باكستان: عندما اصطدمت الحدود بالتضامن الأيديولوجي: تمثل حركة طالبان باكستان أحد أكثر ملفات العلاقة حساسية، تطالب إسلام آباد الإمارة الإسلامية في كابل باتخاذ إجراءات حاسمة ضد قيادات وعناصر الحركة الموجودة داخل الأراضي الأفغانية، وتربط تصاعد الهجمات داخل باكستان بما تعتبره ملاذات آمنة في أفغانستان، أما كابل، فتسعى إلى النأي بنفسها عن تحميلها مسؤولية المشكلات الأمنية الداخلية في باكستان، كما تتعامل مع الملف من منظور مختلف، يقوم على رفض تحويل أفغانستان إلى طرف في صراع داخلي باكستاني. وهنا يظهر أحد أعمق تناقضات المرحلة الجديدة: ما تراه باكستان تهديداً أمنياً عابراً للحدود، قد تتعامل معه كابل ضمن سياق أوسع من الروابط الدينية والقومية والتاريخية في المناطق الحدودية. ولا يعني ذلك أن كابل تتبنى بالضرورة أهداف TTP أو توافق على عملياتها داخل باكستان، لكنه يعني أن قدرتها واستعدادها للانخراط في مواجهة مباشرة معها قد لا يتوافقان مع المطالب الباكستانية.
  2. نهاية إرث «الطاعة» السياسية: اعتمدت باكستان، بدرجات متفاوتة، على شبكة واسعة من الأدوات السياسية والأمنية والدبلوماسية للتأثير في المشهد الأفغاني، لكن عودة طالبان إلى الحكم كشفت حدود هذا النفوذ. فالحركة، رغم تاريخ الدعم والملاذات والعلاقات التي ربطتها بإسلام آباد، لم تقبل بعد وصولها إلى السلطة أن تتحول تلك العلاقة تلقائياً إلى التزام دائم بتوجيهات السياسة الباكستانية، ومن هنا ظهر التباين بين مفهومين: باكستان تريد علاقة أمنية استراتيجية؛ بينما تسعى كابل إلى علاقة دولة بدولة، وهذا الاختلاف في تعريف العلاقة يمثل أحد مفاتيح فهم الأزمة الراهنة.
  3. من فاعل مسلح محارب إلى سلطة حاكمة: يمثل انتقال طالبان من حركة مسلحة إلى سلطة حاكمة نقطة تحول أساسية، فالفاعل غير الحكومي يستطيع الاعتماد على الدعم الخارجي والملاذات والتحالفات المؤقتة، بينما تواجه السلطة الحاكمة اعتبارات مختلفة: حماية الحدود، إدارة الاقتصاد، الحفاظ على السيادة، التعامل مع السكان، وبناء العلاقات الإقليمية. وبالتالي فإن طالبان بعد 2021 لم تعد تستطيع أن تتصرف بالطريقة نفسها التي كانت تتصرف بها عندما كانت حركة مقاومة، وفي المقابل لم تعد باكستان قادرة بالضرورة على التعامل معها بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع حركة تعتمد بصورة كبيرة على البيئة السياسية والأمنية المحيطة بها، إنها، ببساطة معادلة جديدة بين طرفين تغيرت طبيعة كل منهما.
  4. ذاكرة السنوات السابقة وغياب الثقة: لا يمكن فهم الأزمة الراهنة دون استحضار الذاكرة المتراكمة لدى قيادة طالبان تجاه باكستان، فخلال سنوات الحرب والمقاومة، تعرض عدد من قيادات الحركة للاعتقال أو الضغط أو القيود على الحركة، كما شهدت العلاقة بين الطرفين أزمات متكررة بشأن توقيت المفاوضات واتجاهاتها وعلاقة طالبان بالقوى الدولية. وبالتالي فإن عودة الحركة إلى السلطة لم تمحُ تلقائياً ذاكرة تلك المرحلة، وفي العلاقات الدولية، لا تكفي المصالح المشتركة وحدها لإنتاج الثقة؛ إذ يمكن للذاكرة السياسية أن تستمر في التأثير في الحسابات حتى بعد تغير الظروف.
  5. تراجع احتكار إسلام آباد للنفوذ في الشأن الأفغاني: لطالما قدمت باكستان نفسها بوصفها إحدى أكثر الدول قدرة على فهم المشهد الأفغاني والتأثير فيه، غير أن السنوات الأخيرة أظهرت أن النفوذ لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم، فقد وسعت طالبان اتصالاتها مع موسكو وبكين وطهران ودول آسيا الوسطى وقطر والإمارات والسعودية وتركيا والهند وغيرها. وبذلك لم يعد المشهد الأفغاني محصوراً في علاقة ثنائية بين كابل وإسلام آباد، وإن بقيت باكستان أحد أهم الفاعلين بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح الأمنية.

ثانياً: الحدود والهوية القومية.. الجرح الذي لم يلتئم

  1. خط ديورند: حدود رسمية  أم قضية تاريخية مفتوحة؟يظل خط ديورند واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأفغانية الباكستانية، فإسلام آباد تعتبره حدوداً دولية قائمة ونهائية، بينما لم تقدم الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها الإمارة الإسلامية في كابل، اعترافاً نهائياً به بالشكل الذي تطالب به باكستان. وقد أدى تشييد السياج الحدودي وتشديد إجراءات العبور إلى تحويل الخلاف التاريخي إلى احتكاكات ميدانية متكررة. وهكذا أصبحت الحدود نفسها مصدراً للأزمة، بدلاً من أن تكون إطاراً مستقراً لتنظيم العلاقة بين دولتين متجاورتين.
  2. القومية البشتونية العابرة للحدود: تمثل الهوية البشتونية أحد أكثر العناصر تعقيداً في الحسابات الأمنية الباكستانية، فوجود كتلة سكانية بشتونية كبيرة على جانبي الحدود يجعل التطورات السياسية والاجتماعية في أفغانستان ذات انعكاسات محتملة على باكستان، ومن هنا تنظر المؤسسة الأمنية الباكستانية بحذر إلى أي خطاب قومي عابر للحدود، خصوصاً عندما يتقاطع مع قضايا خط ديورند أو الحكم الذاتي أو الحقوق السياسية في خيبر بختونخوا. لكن ينبغي تجنب افتراض أن الهوية البشتونية تؤدي تلقائياً إلى مشروع سياسي موحد؛ فالمواقف السياسية داخل المجتمعات البشتونية نفسها متنوعة، ولا تتطابق بالضرورة مع مواقف طالبان أو مع مطالب الحركات القومية.
  3. أفغانستان وتأثيرها في البيئة الداخلية الباكستانية: لم تعد أفغانستان بالنسبة إلى باكستان مجرد ملف خارجي. فالحدود الطويلة، والتداخل السكاني، والهجرة، والتجارة، والحركات المسلحة، كلها تجعل الاستقرار الأفغاني مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن الداخلي الباكستاني. وفي المقابل، فإن أي سياسة باكستانية تجاه أفغانستان يمكن أن تتحول إلى قضية داخلية أفغانية، خصوصاً عندما ترتبط باللاجئين أو الحدود أو التجارة، وهذا التداخل يجعل إدارة الخلاف أكثر صعوبة.
  4. خطر انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى: كلما طال أمد الأزمة، ارتفعت احتمالات استخدام أدوات غير مباشرة، وقد تشمل هذه الأدوات الضغط الاقتصادي، أو تشديد الحدود، أو توظيف ملف اللاجئين، أو استخدام العلاقات الدولية للتأثير في الطرف الآخر. وفي المقابل، يمكن أن تبحث كابل عن أوراق مقابلة عبر تعزيز علاقاتها مع الهند وإيران وآسيا الوسطى وروسيا والصين. غير أن الحديث عن «انتقال المواجهة» يجب أن يبقى في إطار السيناريو المحتمل لا النتيجة المحققة؛ إذ توجد أيضاً حوافز قوية لدى الطرفين لمنع تحول الخلاف إلى صراع إقليمي مفتوح.

ثالثاً: الاقتصاد والترانزيت.. نهاية الاحتكار الجغرافي:

  1. تعدد الممرات التجارية: كان الموقع الجغرافي لباكستان يمنحها ميزة استراتيجية كبيرة في التجارة الأفغانية. لكن هذه الميزة بدأت تتراجع نسبياً مع بحث كابل عن طرق بديلة للوصول إلى الأسواق العالمية. فممرات إيران وآسيا الوسطى، إلى جانب العلاقات الاقتصادية مع الصين، تمنح أفغانستان خيارات إضافية، حتى وإن كانت هذه البدائل أكثر كلفة أو تعقيداً في بعض الحالات. وهنا تكمن أهمية التنويع: ليس المطلوب أن تحل البدائل محل باكستان بالكامل، بل أن تقلل من قدرة أي طرف على استخدام الاعتماد الاقتصادي بوصفه أداة ضغط منفردة.
  2. ميناء تشابهار كخيار استراتيجي: يمثل ميناء (تشابهار) أحد أهم البدائل الجغرافية التي تراهن عليها أفغانستان. فالعلاقة مع إيران تمنح كابل منفذاً إلى البحر بعيداً عن الأراضي الباكستانية، وتفتح المجال أمام ربط الاقتصاد الأفغاني بشبكات النقل الإيرانية والهندية وآسيا الوسطى. ولا يعني ذلك أن تشابهار قادر على إلغاء أهمية الموانئ الباكستانية، لكنه يغير معادلة الاعتماد، وفي الجغرافيا السياسية، قد يكون وجود البديل أكثر أهمية من قدرة البديل على المنافسة الكاملة.
  3. الاستثمار في الموارد الطبيعية: تسعى السلطة في كابل إلى جذب استثمارات خارجية في قطاعات التعدين والطاقة والبنية التحتية. ومع دخول الصين وروسيا ودول إقليمية وخليجية على خط الاستثمار، لم تعد أفغانستان مرتبطة اقتصادياً بباكستان بالدرجة نفسها التي كانت عليها في مراحل سابقة. لكن حجم هذه الاستثمارات واستدامتها وقدرتها على تحويل الاقتصاد الأفغاني لا ينبغي افتراضها مسبقاً؛ فهي تعتمد على الأمن، والبنية التحتية، والتمويل، والاعتراف السياسي، والقدرة المؤسسية على تنفيذ المشاريع.

رابعاً: الدين والهند.. مساحتان جديدتان لإعادة تشكيل العلاقة:

  1. انتقال مركز الثقل الديني إلى الداخل الأفغاني: كان للمدارس الدينية والمؤسسات التعليمية في باكستان دور مهم في تشكيل البيئة العلمية والفكرية التي خرجت منها أجيال من كوادر طالبان. لكن عودة الحركة إلى الحكم غيّرت مركز الثقل، فأصبحت قندهار، بما تمثله من مركز سياسي وديني لقيادة الحركة، أكثر تأثيراً في صياغة المرجعيات الداخلية للقرار الديني والسياسي. وهذا لا يعني انقطاع التأثير الديني الباكستاني، لكنه قد يعني تراجع قدرته على التحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي مباشر.
  2. التقارب مع الهند: ربما يمثل الانفتاح الأفغاني على الهند أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الباكستانية. فالهند ليست بالنسبة إلى إسلام آباد شريكاً إقليمياً عادياً، بل هي الخصم الاستراتيجي الرئيسي الذي شكل جزءاً أساسياً من العقيدة الأمنية الباكستانية منذ قيام الدولة. ومن ثم فإن تطوير العلاقات الأفغانية الهندية، سواء في المجال الدبلوماسي أو الاقتصادي أو التنموي، يُقرأ في إسلام آباد ضمن إطار أمني أوسع. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير كل تقارب أفغاني-هندي باعتباره اصطفافاً استراتيجياً ضد باكستان؛ فقد يكون جزءاً من سياسة أوسع لتنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على أي دولة واحدة.

خامساً: متّقي في «صيغة موسكو».. الدبلوماسية تعكس التحول

إذا كانت النقاط الأربعة عشر السابقة تمثل الجذور المحتملة للأزمة، فإن خطاب أمير خان متّقي في الاجتماع الثامن لـ«صيغة موسكو بشأن أفغانستان» يمثل أحد أبرز التعبيرات الدبلوماسية عن هذا التحول. فالمهم في الخطاب ليس فقط مضمون الانتقادات الموجهة إلى باكستان، وإنما الموقع الذي تتحدث منه كابل. لم يعد الخطاب صادراً عن حركة تطلب الحماية أو الدعم، بل عن سلطة تؤكد أن القضايا الأمنية والحدودية ينبغي أن تناقش بين طرفين متساويين في السيادة.

  1. رفض منطق الضغط العسكري: اتخذ متّقي موقفاً واضحاً من العمليات العسكرية والقصف الحدودي، مقدماً إياها باعتبارها وسيلة لا يمكن أن تنتج حلاً مستداماً. وهذا الخطاب يضع النزاع في إطار سياسي ودبلوماسي، بدلاً من قبوله باعتباره مشكلة أمنية يمكن حلها بالقوة.
  2. فصل الأمن الباكستاني عن المسؤولية الأفغانية: من أبرز مضامين الخطاب التأكيد على أن أفغانستان لا يمكن أن تتحمل مسؤولية معالجة المشكلات الأمنية الداخلية في باكستان. وهذا يمثل تحولاً مهماً في صياغة العلاقة؛ إذ ترفض كابل أن تتحول إلى طرف مسؤول عن الأمن الداخلي لجارتها.
  3. استخدام الملفات الإنسانية والاقتصادية: يرتبط الخلاف الأمني بملفات أخرى، في مقدمتها إغلاق المعابر وترحيل اللاجئين الأفغان، وترى كابل أن تحويل هذه الملفات إلى أدوات ضغط يوسّع نطاق الأزمة بدلاً من حلها، ويجعل القضايا الإنسانية جزءاً من المواجهة السياسية.
  4. الحوار على أساس الندية: الأهم في خطاب متّقي هو إعادة تعريف العلاقة، فالمعادلة التي تطرحها كابل تقوم على الحوار المباشر، والاحترام المتبادل، وعدم استخدام القوة أو الضغط الاقتصادي بديلاً عن التفاوض.

وهنا تبرز الدلالة السياسية الأوسع: لم تعد كابل تتحدث عن تحسين العلاقة مع باكستان داخل الإطار القديم، بل عن إعادة تعريف الإطار نفسه. لكن ينبغي التعامل مع هذا الاستنتاج بحذر؛ فالخطاب الدبلوماسي يؤدي وظيفة تفاوضية أيضاً، وقد يكون رفع سقف المطالب جزءاً من محاولة إعادة ضبط شروط التفاوض، وليس بالضرورة إعلاناً عن قطيعة مع النموذج السابق.

سادساً: ماذا تكشف المؤشرات الأربعة عشر؟ عند جمع المحاور السابقة، تظهر ثلاثة تحولات مترابطة.

  1. تحول في طبيعة الفاعل الأفغاني: من حركة تعتمد بدرجات متفاوتة على البيئة الإقليمية إلى سلطة تسعى إلى تثبيت استقلال قرارها.
  2. تحول في أدوات النفوذ: فلم تعد الحدود أو التجارة أو العلاقات الأمنية أدوات تعمل بالفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها في مراحل سابقة، وإن ظلت مؤثرة.
  3. تحول في البيئة الإقليمية: إذ أصبح بإمكان كابل تنويع علاقاتها مع إيران والهند والصين وروسيا وآسيا الوسطى ودول الخليج، الأمر الذي يقلل من مركزية العلاقة مع إسلام آباد من دون أن يلغيها.

ومن ثم، فإن الأدق وصف المرحلة الراهنة بأنها إعادة توزيع للنفوذ والاعتماد المتبادل، وليس انتقالاً كاملاً من التبعية إلى الاستقلال.

سابعاً: لماذا تراجعت فاعلية معادلة (العمق الاستراتيجي):

يمكن اختزال التحول الراهن في مفارقة واحدة: ما اعتبرته باكستان عمقاً استراتيجياً، اعتبرته طالبان في مراحل مختلفة وسيلة للبقاء؛ لكن عندما وصلت الحركة إلى السلطة، أصبحت الأولوية لديها هي السيادة والاستقلال في القرار.

وهذا لا يعني أن مفهوم العمق الاستراتيجي فقد كل قيمته في التفكير الباكستاني، بل إن البيئة التي يفترضها تغيرت. فالسلطة في كابل لا تريد أن تكون قاعدة خلفية في صراع باكستان مع الهند، ولا تريد أن تتحول أراضي أفغانستان إلى ساحة لحل المشكلات الأمنية الداخلية الباكستانية.

وفي المقابل، لا تستطيع باكستان تجاهل المصالح الأمنية التي تربطها بأفغانستان. وهنا تظهر المعضلة: باكستان تحتاج إلى أفغانستان مستقرة، لكنها تريد في الوقت نفسه أفغانستان لا تهدد مصالحها الأمنية؛ وكابل تريد علاقة مستقرة مع باكستان، لكنها ترفض أن يكون الاستقرار مرادفاً للوصاية.

ثامناً: إلى أين تتجه العلاقة الأفغانية الباكستانية؟

لا تشير المعطيات بالضرورة إلى قطيعة كاملة بين الطرفين، فالجغرافيا تفرض على أفغانستان وباكستان قدراً كبيراً من الترابط. كما أن التجارة والترانزيت والهجرة والحدود والأمن تجعل التعاون بينهما ضرورة لا يمكن تجاوزها بسهولة.

ولكن طبيعة التعاون هي التي تتغير، وقد تتجه العلاقة، على المدى المتوسط، من الرعاية إلى التفاوض، ومن الاعتماد غير المتكافئ إلى تفاوض أكثر ندية، ومن الوساطة الأمنية إلى الدبلوماسية المباشرة، ومن الاعتماد على مسار واحد إلى تنويع الشراكات، وسياسة العمق الاستراتيجي إلى إدارة المصالح المتبادلة.

غير أن هذه الاتجاهات ليست حتمية. فقد يؤدي تصاعد هجمات TTP، أو استمرار الاشتباكات الحدودية، أو تشديد الضغوط الاقتصادية والهجرة، إلى إعادة إنتاج علاقة أكثر صدامية، وربما إلى عودة بعض أدوات النفوذ القديمة بأشكال جديدة.

تاسعاً: أربعة عشر جرحاً..  وسؤال واحد:

الأزمة الأفغانية الباكستانية ليست جرحاً واحداً يمكن علاجه بإغلاق معبر أو عقد اجتماع أمني أو التوصل إلى تفاهم مؤقت حول TTP. بل إنها أربعة عشر جرحاً مفتوحاً تتقاطع عندها قضايا الأمن والحدود والهوية والتاريخ والتجارة والدين والتحالفات الإقليمية. والأهم أن هذه الجروح لا تعمل منفردة؛ فالحدود تؤثر في الأمن، والأمن يؤثر في التجارة، والتجارة ترتبط بالتحالفات، والتحالفات تعيد تشكيل الحسابات الأمنية، بينما تبقى الهوية القومية خلف المشهد كله. ولهذا فإن اختزال الأزمة في حركة طالبان باكستان وحدها قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لطبيعة التحول، حيث تغيرت أفغانستان منذ 2021، وتغير معها موقع طالبان في المعادلة الإقليمية. كما تغيرت البيئة الدولية المحيطة بها، ولم تعد باكستان اللاعب الخارجي الوحيد القادر على التأثير في كابل.

لكن التحول لم يكتمل بعد، فبينما تتراجع بعض صور الاعتماد التقليدي، تظل الجغرافيا والاقتصاد والأمن عوامل تجعل الطرفين مرتبطين بدرجة يصعب معها تصور انفصال استراتيجي كامل. وعليه، فإن السؤال الأكثر دقة لم يعد: هل تستطيع باكستان إعادة طالبان إلى دائرة نفوذها القديمة؟

بل: هل تستطيع إسلام آباد إعادة بناء علاقة مع كابل تتناسب مع واقع لم تعد فيه طالبان حركة تبحث عن راعٍ، من دون أن تتحول العلاقة الجديدة إلى صراع مفتوح بين دولتين متجاورتين؟

وربما يكون هذا هو الاختبار الأكبر للمرحلة المقبلة: ليس إنهاء الاعتماد المتبادل، وهو أمر غير واقعي، وإنما إعادة تنظيمه على أسس أكثر توازناً، مع إدارة الخلافات التي لم يعد بالإمكان احتواؤها بأدوات الماضي المنتهية صلاحيتها.

أفغانستانالإمارة الإسلاميةالعلاقات الأفغانية الباكستانيةالعمق الاستراتيجيالملف الأفغانيالهندالهوية البشتونيةباكستانطالبانكابل وإسلام آباد

الأكثر قراءة

  • أفغانستان تعتزم إنشاء مصفاة نفط كبرى لتغطية نصف احتياجاتها من الوقود

    أفغانستان تعتزم إنشاء مصفاة نفط كبرى لتغطية نصف احتياجاتها من الوقود

    0 المشاركه
    0 0
  • موسكو تتجه إلى كابل.. أمن آسيا الوسطى ورهانات النفوذ الروسي

    0 المشاركه
    0 0
  • الداخلية الأفغانية تحذر من الانتقام وتعلن لجاناً للتحقيق في الفساد

    0 المشاركه
    0 0
  • أم القنابل من أفغانستان إلى حسابات إيران.. قوة الانفجار وحدود الحسم

    0 المشاركه
    0 0
  • أوزبكستان تدعو إلى تحويل أفغانستان من ساحة للتنافس إلى مركز للتعاون الإقليمي

    0 المشاركه
    0 0
  • أفغانستان تقترح إنشاء مستشفيين مشتركين مع تركيا وتركمانستان في هرات

    0 المشاركه
    0 0
  • من الشاشة إلى الميدان.. التقنية في ملاحقة طالبان لخصومها المسلحين

    0 المشاركه
    0 0
  • الرئيسية
  • من نحن؟

© 2026 الملف الأفغاني

لا توجد نتيجة
عرض جميع النتائج
  • الأخبار
  • تقارير خاصة
  • تقدير موقف
  • دراسات تحليلية
  • المناجم و التعدين
  • من نحن؟

© 2026 الملف الأفغاني