الملف الأفغاني
بحث لمعهد كابل يثير أسئلة بشأن مسار التمويل بعد وصوله إلى المؤسسات الدولية، ويضع النفقات الإدارية وشفافية الوكالات الأممية في صدارة النقاش حول ما يصل فعلياً إلى المحتاجين.
بين إعلان المانحين تخصيص مليارات الدولارات لأفغانستان ووصول الغذاء والدواء إلى الأسر المحتاجة، تمتد سلسلة من الوكالات الدولية والمنظمات الشريكة والمتعهدين. وفي كل مرحلة، يُنفق جزء من التمويل على الإدارة والتشغيل والرقابة، بينما يصعب، وفق بحث لمعهد كابول، تتبع معظم الأموال عبر البيانات المتاحة للجمهور بعد تسلّمها من الجهة الأولى.
وبحسب المعهد، بلغت المساعدات الإنسانية المخصصة لأفغانستان منذ أغسطس/آب 2021 نحو ثمانية مليارات دولار، لكن البيانات العامة تتيح تتبع نحو 721.9 مليون دولار فقط، أي قرابة 9% من الإجمالي، بعد انتقال التمويل إلى الجهة المستلمة الأولى.
لا تعني هذه النتيجة أن الأموال المتبقية سُرقت أو اختفت، ولا أنها صُرفت جميعها على النفقات الإدارية. لكنها تكشف قصوراً في الإفصاح يحول دون الإجابة عن سؤال أساسي: كم من الأموال المسجلة باسم أفغانستان يتحول إلى مساعدات وخدمات للسكان، وكم يُنفق على المؤسسات التي تدير إيصالها؟
فجوة بين إعلان التمويل وكشف مصيره
قال نويد كاووسي، رئيس معهد كابل، خلال عرض نتائج البحث في 22 أكتوبر/تشرين الأول، إن الجهات المانحة تنشر عادة معلومات عن حجم تمويلها والمؤسسات التي تتلقاه، لكن التفاصيل تصبح أقل وضوحاً مع انتقال الأموال إلى الشركاء والمنفذين.
وتتركز المشكلة، بحسب المعهد، في نقص البيانات العامة القابلة للمعالجة إلكترونياً على مستوى البرامج والمشروعات. فقد يكون معروفاً أن وكالة دولية تلقت منحة، من دون أن تتوافر تفاصيل مترابطة تبين ما احتفظت به لتغطية نفقاتها، وما حوّلته إلى شركائها، وما أنفقه هؤلاء وصولاً إلى المستفيد النهائي.
وشدد كاووسي على حق الأفغان في معرفة وجهة الأموال، والجهات التي أنفقتها، وأوجه استخدامها، وقيمة ما وصل منها إلى المواطنين.
وأشار المعهد أيضاً إلى نحو 1.4 مليار دولار تظهر في سجلات أو قنوات مالية لا تتوافر تفاصيلها الكاملة علناً. ولا ينبغي جمع هذا الرقم تلقائياً مع المبالغ غير القابلة للتتبع، ما لم تتضح العلاقة بين الفئتين في منهجية البحث.
والمقصود بقصور التتبع هنا هو محدودية المعلومات العامة؛ وهو لا يثبت، بمفرده، غياب سجلات داخلية أو عمليات تدقيق لدى المؤسسات المتلقية.
رواتب ومكاتب وعقود قبل وصول المساعدة
لا تنتقل المساعدات، في كثير من البرامج، مباشرة من خزائن المانحين إلى الأسر الأفغانية. فقد تتلقى التمويل وكالة أممية أو منظمة دولية، ثم تحوّل جزءاً منه إلى شريك منفذ، يتعاقد بدوره مع مؤسسة محلية أو مزود خدمات.
وعبر هذه المراحل تُغطّى نفقات تشمل الرواتب وإيجارات المكاتب والسفر والاستشارات وإدارة المنح والأنظمة المالية، فضلاً عن النقل والأمن والتخزين والمتابعة والتدقيق.
ويقتضي تقييم هذه المصاريف التمييز بين الإدارة العامة وتكاليف إيصال الخدمة نفسها؛ فنقل الأدوية وحفظها، مثلاً، جزء من تقديم المساعدة، ولا يصح اعتباره تلقائياً هدراً إدارياً. كذلك تؤدي الرقابة والتدقيق وظائف ضرورية لحماية الأموال.
لكن تعدد الجهات المشاركة قد يكرر بعض الوظائف والمصاريف، ويزيد كلفة إدارة المنحة الواحدة. ومن دون ميزانيات مفصلة ومترابطة، يصعب تحديد ما إذا كانت هذه التكاليف متناسبة مع حجم العمل، أو تتضمن ازدواجية يمكن تجنبها.
وتشير الإرشادات الإنسانية التي تستند إليها المادة إلى ضرورة تقليل النفقات العامة والتعاقدات الفرعية غير الضرورية، وتجنب تحميل إيجارات المكاتب بصورة مزدوجة، والاستفادة من الخبرات المحلية. وهذه التوجيهات تعكس أهمية ضبط التكلفة، لكنها لا تثبت وحدها وقوع تجاوزات في برنامج بعينه.
الوكالات الأممية أمام اختبار المساءلة
تضع بنية التمويل المؤسسات الأممية في موقع محوري؛ فهي تتلقى أموالاً من المانحين، وتدير برامج، وتختار شركاء، وتراقب تنفيذ مشروعات. ولذلك تشمل مسؤوليتها تقديم معلومات تتيح تقييم كفاءة الإنفاق، إلى جانب الإعلان عن الأنشطة وأعداد المستفيدين.
فالإفصاح عن إجمالي المنحة لا يكفي لتوضيح كيفية توزيعها بين الإدارة والتنفيذ والشركاء. كما أن نشر أرقام مجمعة عن النتائج لا يتيح وحده مقارنة كلفة البرامج أو اكتشاف تكرار المصروفات عبر المؤسسات.
وهنا يبرز سؤال الفساد: هل تعكس فجوات المعلومات ضعفاً في النشر وتوحيد البيانات فحسب، أم يمكن أن تحجب أيضاً تضارب مصالح أو عقوداً مبالغاً في قيمتها أو استخداماً غير مشروع للتمويل؟
البحث، وفق المعلومات الواردة في المادة، لا يحسم هذا السؤال، ولا يقدم إثباتاً لتورط مؤسسة أممية محددة في اختلاس الأموال. وإثبات ذلك يتطلب وثائق ونتائج تدقيق أو تحقيقات تتناول وقائع وجهات بعينها.
غير أن محدودية الإفصاح تضعف قدرة الجمهور والصحافة على اكتشاف التجاوزات ومساءلة المسؤولين عنها. ومن ثم، فإن نشر نتائج التدقيق والمصروفات والعقود وآليات اختيار الشركاء يمثل مدخلاً ضرورياً لفحص شبهات الفساد، ولإثبات سلامة الإنفاق أيضاً.
المنظمات المحلية تنفذ.. والتمويل يمر عبر الخارج
تقول ليما مرتضى، الخبيرة في العمل الإنساني، إن المنظمات الدولية الكبرى تؤدي دور الوسيط في عدد كبير من برامج أفغانستان، بينما تتولى المؤسسات المحلية جانباً مهماً من العمل المباشر مع الأسر.
ويثير هذا التوزيع تساؤلات بشأن أسباب مرور التمويل عبر جهات متعددة، حين تكون المؤسسة المحلية هي المسؤولة عن التنفيذ الميداني.
وبحسب البيانات الواردة في المادة، حصلت المنظمات غير الحكومية الوطنية الأفغانية مباشرة على نحو 22% من تمويل صندوق أفغانستان الإنساني في عام 2022. وهذه النسبة تخص الصندوق، ولا تمثل مجمل المساعدات الدولية الموجهة إلى البلاد.
وفي إحدى استراتيجيات التخصيص لعام 2024، استهدف الصندوق توجيه 30% من مخصصات محددة إلى المنظمات الوطنية والمحلية، مقابل 50% للمنظمات الدولية غير الحكومية، وما يصل إلى 20% لوكالات الأمم المتحدة.
وقد يساعد التمويل المباشر للمؤسسات المحلية المؤهلة على تقليل بعض حلقات الوساطة. لكن قياس أثره يحتاج إلى مقارنة فعلية للتكلفة وجودة الخدمة والقدرة على الرقابة؛ فاختصار السلسلة لا يضمن الكفاءة تلقائياً، كما أن طولها لا يبرر نفقاتها تلقائياً.
هل تستهلك الإدارة معظم المساعدات؟
لا تسمح الأرقام المعروضة بالإجابة بالإيجاب. فنسبة الـ91% التي يتعذر تتبع مسارها بالكامل عبر البيانات العامة ليست نسبة الإنفاق الإداري، ولا يجوز تقديمها كذلك.
ومع ذلك، فإن غياب تفصيل موحد للمصروفات يمنع قياس الكلفة التراكمية للإدارة والوساطة عبر سلسلة التمويل. فقد تنشر كل مؤسسة نفقاتها بصورة منفصلة، بينما يبقى حساب إجمالي ما استُقطع من المنحة قبل تنفيذ الخدمة أمراً صعباً.
ولذلك يتطلب التقييم ربط بيانات المانح ببيانات الوكالة المتلقية والشريك المنفذ والمتعهد، مع الفصل بين النفقات الإدارية وتكاليف التنفيذ المباشر، وتجنب احتساب التحويل المالي ذاته أكثر من مرة.
كما ينبغي قياس النتائج إلى جانب الأموال. فقيمة المساعدة النقدية يمكن تحديدها مباشرة، بينما تحتاج الخدمات الصحية أو الغذائية إلى احتساب تكاليف تقديمها وجودتها ومدى وصولها إلى الفئات المستهدفة.
تقلص التمويل يرفع كلفة الغموض
تزداد أهمية هذه الأسئلة مع تراجع الدعم الدولي. وينسب معهد كابل إلى المساعدات الإنسانية انخفاضاً بنحو 80% مقارنة بمستويات سابقة، لكن المادة المتاحة لا تحدد فترة المقارنة بما يكفي لتقييم النسبة بدقة.
وقال عمر صمد، السفير الأفغاني السابق لدى كندا وفرنسا، إن المساعدات التنموية تراجعت بشدة، وإن التمويل المتبقي بات يتركز على الاستجابة الإنسانية الأساسية. وحذّر من أن ضعف الشفافية قد يقوض ثقة المانحين والجمهور.
وأشار محب إقبال، الباحث في معهد الاقتصاد والسلام في أستراليا، إلى انتقال مركز الثقل من التنمية طويلة الأمد إلى الغذاء والرعاية الصحية والمساعدات الطارئة.
وفي هذا السياق، تصبح مراجعة المصاريف الإدارية أكثر إلحاحاً: فالإنفاق الذي يمكن تقليصه من دون الإضرار بجودة التنفيذ قد يتيح استمرار خدمة أو توسيع نطاقها. وفي المقابل، قد يؤدي الخفض غير المدروس للرقابة والقدرات التشغيلية إلى إضعاف البرامج وزيادة مخاطر إساءة استخدام الأموال.
شفافية تتجاوز أرقام المانحين
أطلق معهد كابل منصة «متتبع المساعدات لأفغانستان» لجمع البيانات المنشورة وربطها، بما يسمح بمقارنة التمويل الموعود والملتزم به والمدفوع، ومتابعة انتقاله بقدر ما تسمح به المعلومات المتاحة.
لكن قدرة المنصة تبقى رهناً بما تنشره المؤسسات الأصلية. فلا يمكن لأداة تتبع أن تعوض غياب بيانات العقود والتحويلات والنفقات ونتائج التدقيق.
وتبدأ معالجة هذه الفجوة بنشر ميزانيات تفصيلية قابلة للمقارنة، وإظهار المصاريف الإدارية والتشغيلية لكل حلقة، وتحديد الأموال المحولة إلى الشركاء، وربطها بنتائج قابلة للتحقق. كما تتطلب إتاحة نتائج التحقيقات في أي تجاوزات، وتمكين الجهات المعنية من الرد على اتهامات محددة.
لا يقدم بحث معهد كابل، وفق المادة المتاحة، حكماً بإدانة المؤسسات الأممية بالفساد، لكنه يضع شفافية منظومة المساعدات وكفاءة إنفاقها تحت المساءلة. فالمعيار ليس حجم التمويل الذي يُعلن باسم أفغانستان وحده، بل القدرة على بيان كيفية إنفاقه، وتبرير كلفته، وإثبات أثره في حياة المحتاجين.

