بعد عقدين من الحرب، لم يكن خروج القوات الأميركية من أفغانستان حدثاً عسكرياً مفاجئاً، بل ثمرة مسار سياسي بدأ من طاولة المفاوضات في الدوحة، وانتهى بسقوط كابل وانسحاب آخر الجنود الأميركيين في أغسطس/آب 2021. وبين المحطتين تغيّرت موازين القوى، وتعثر السلام الأفغاني، وانتهت الحرب إلى عودة طالبان إلى السلطة.
لم يبدأ الانسحاب الأميركي من أفغانستان في مدرج مطار كابل في صيف 2021، كما قد توحي الصور الأخيرة للحرب، بل بدأ قبل ذلك بوقت طويل خلف أبواب مغلقة في الدوحة.
هناك، وعلى مدى أشهر من المفاوضات، جلست الولايات المتحدة مع حركة طالبان التي كانت واشنطن قد حاربتها لما يقرب من عقدين، للبحث في صيغة تنهي أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة خارج أراضيها.
وكانت النتيجة اتفاقاً حمل اسم “اتفاق السلام في أفغانستان”، وُقّع في العاصمة القطرية الدوحة في 29 فبراير/شباط 2020 بين المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد، و رئيس المكتب السياسي آنذاك الملا عبد الغني برادر. وقد فتح الاتفاق الطريق أمام الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية وقوات التحالف، وربط ذلك بسلسلة من الالتزامات المتعلقة بالإرهاب والمفاوضات الأفغانية الداخلية ووقف إطلاق النار.
طريق طويل إلى الدوحة
كانت المفاوضات الرسمية بين واشنطن وطالبان قد دخلت مرحلة علنية في عام 2018، لكن الاتصالات بين الطرفين، وفق رواية قيادات طالبان المشاركة في العملية التفاوضية، تعود إلى سنوات سابقة.
ويقول شير محمد عباس ستانكزاي، أحد أبرز أعضاء فريق طالبان المفاوض في الدوحة، إن الاتصالات مع الأميركيين بدأت في وقت مبكر، وإنه شارك على مدى سنوات في المسار التفاوضي بين الجانبين.
لكن أهمية الدوحة لم تكن في كونها مجرد مكان للمفاوضات، بل في أنها مثّلت تحولاً في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطالبان: فبعد سنوات من القتال، أصبحت الحركة طرفاً تفاوضياً تتعامل معه الولايات المتحدة مباشرة، فيما بات الانسحاب الأميركي أحد المحاور المركزية لأي تسوية سياسية.
وبحلول عام 2019، كانت أربع ملفات رئيسية تهيمن على المفاوضات: انسحاب القوات الأجنبية، وضمانات مكافحة الإرهاب، وبدء حوار أفغاني-أفغاني، والتوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار. وكانت واشنطن تريد ضمان ألا تتحول أفغانستان مرة أخرى إلى قاعدة لتهديدها أو تهديد حلفائها، بينما جعلت طالبان إنهاء الوجود العسكري الأجنبي أولوية أساسية.
اتفاق الدوحة.. الانسحاب مقابل التعهدات
في 29 فبراير/شباط 2020، وُضع الإطار الرسمي لخروج القوات الأجنبية.
وبموجب الاتفاق، التزمت الولايات المتحدة بسحب قواتها من أفغانستان خلال 14 شهراً، على أن ينخفض عدد القوات الأميركية إلى 8600 جندي خلال 135 يوماً، مع انسحاب بقية القوات الأميركية وقوات التحالف لاحقاً وفق الجدول المتفق عليه.
في المقابل، تعهدت طالبان باتخاذ إجراءات لمنع استخدام الأراضي الأفغانية من قبل جماعات أو أفراد، بمن فيهم تنظيم القاعدة، لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها. كما التزمت بالدخول في مفاوضات أفغانية داخلية بهدف التوصل إلى خارطة طريق سياسية ووقف دائم وشامل لإطلاق النار.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في اتفاق الدوحة: فقد كان اتفاقاً لإنهاء الحرب، لكنه لم يكن اتفاقاً نهائياً على شكل الدولة الأفغانية بعد الحرب.
فالولايات المتحدة وطالبان اتفقتا على إطار لإنهاء الوجود العسكري الأميركي، لكن المهمة الأصعب ــ أي الاتفاق بين الأفغان أنفسهم على نظام سياسي جديد ــ بقيت معلقة.
السلام الذي لم يأتِ
كان من المفترض أن تفتح الاتفاقية الطريق أمام مفاوضات مباشرة بين طالبان والحكومة الأفغانية والقوى السياسية الأخرى.
وبالفعل، بدأت المفاوضات الأفغانية في الدوحة في سبتمبر/أيلول 2020، بعد أشهر من التأخير والخلافات، بما في ذلك قضية إطلاق سراح الأسرى. وكان الرهان الدولي أن تتحول المفاوضات إلى اتفاق سياسي شامل يضع حداً للحرب ويقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، لكن مسار المفاوضات لم ينجح في إنتاج التسوية المنشودة.
وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تقلص وجودها العسكري، كانت طالبان تعزز نفوذها الميداني. وبحلول عام 2021، أخذ ميزان القوى يميل بصورة متسارعة لصالح الحركة، بينما تراجعت قدرة الحكومة الأفغانية والقوات الأمنية على الاحتفاظ بالمناطق التي كانت تسيطر عليها.
حتى واشنطن نفسها أقرت، في صيف 2021، بأن مستويات العنف ظلت مرتفعة وأن التطورات الميدانية لم تنسجم مع روح عملية السلام. وقالت الخارجية الأميركية آنذاك إن طالبان بدت وكأنها تسعى إلى تحقيق نصر في ساحة المعركة بدلاً من الوصول إلى تسوية سياسية عبر المفاوضات.
من الانسحاب إلى سقوط كابل
مع بدء الانسحاب الأميركي النهائي، تسارعت الأحداث بصورة تجاوزت توقعات كثير من الأطراف.
ففي غضون أسابيع، سقطت عواصم الولايات تباعاً في يد طالبان، وتفككت أجزاء كبيرة من المنظومة الأمنية والعسكرية التي أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها سنوات في بنائها.
وفي 15 أغسطس/آب 2021، دخلت طالبان كابل، وغادر الرئيس أشرف غني البلاد، لتنتقل أفغانستان إلى مرحلة سياسية جديدة بعد نحو عقدين من الوجود العسكري الأميركي.
وبذلك تحولت العملية التي كان يفترض أن تكون انتقالاً منظماً من الحرب إلى السلام إلى سباق مع الزمن لإجلاء الأميركيين والأفغان الذين تمكنوا من الوصول إلى مطار حامد كرزاي الدولي.
المطار.. المشهد الأخير للحرب
بعد سقوط كابل، تحوّل مطار العاصمة إلى مركز العملية الأميركية الأخيرة في أفغانستان.
آلاف الأشخاص احتشدوا حول المطار، بينما عملت القوات الأميركية على تأمين عمليات الإجلاء ونقل المواطنين الأميركيين والأفغان المؤهلين للسفر.
وفي 30 أغسطس/آب 2021، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية اكتمال الإجلاء العسكري وانسحاب جميع القوات الأميركية من أفغانستان. وفي الساعات الأولى من 31 أغسطس/آب غادرت آخر الطائرات الأميركية مطار كابل، لتنتهي بذلك المهمة العسكرية الأميركية التي بدأت بعد هجمات سبتمبر/أيلول 2001
وكان الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأميركية، آخر قائد أميركي يعلن اكتمال الانسحاب، مؤكداً أن آخر الطائرات والقوات غادرت مطار كابل في الساعات الأولى من 31 أغسطس/آب.
وهكذا، فإن التاريخ الأفغاني الذي يوافق 31 أغسطس/آب 2021، وليس 9 سبتمبر/أيلول. وهو تصحيح مهم في التسلسل الزمني للمادة.
اتفاق غيّر مسار أفغانستان
بعد خمس سنوات من الانسحاب، تبدو أهمية اتفاق الدوحة أكبر من مجرد وثيقة أنهت وجود القوات الأميركية.
فالاتفاق أعاد ترتيب العلاقة بين واشنطن وطالبان، ونقل الأخيرة من موقع الحركة التي تقاتل القوات الأجنبية إلى موقع الطرف الذي تفاوض معها على إنهاء الحرب.
وفي المقابل، أخرج الاتفاق القوات الأميركية من قلب المعادلة العسكرية الأفغانية، لكنه لم ينجح في ضمان انتقال سياسي متفاوض عليه.
وهذه هي المفارقة التي تجعل اتفاق الدوحة محوراً أساسياً لفهم ما جرى في أفغانستان: فقد نجح في تحقيق أحد أهدافه الأساسية، وهو إخراج القوات الأجنبية، لكنه أخفق في تحقيق الهدف الأكبر المعلن، وهو الوصول إلى سلام سياسي شامل بين الأفغان.
لقد نص الاتفاق على مسار مترابط: الانسحاب الأميركي، والتزامات طالبان في مجال مكافحة الإرهاب، والمفاوضات الأفغانية الداخلية، ثم وقف إطلاق نار دائم وخارطة طريق سياسية.
لكن هذه الحلقات لم تصل إلى نهايتها بالشكل الذي كان متوقعاً. انسحبت القوات الأجنبية، إلا أن وقف إطلاق النار الشامل لم يتحقق، ولم تُفضِ المفاوضات الأفغانية إلى تسوية سياسية، وانتهى الصراع بانتصار عسكري لطالبان وسقوط الحكومة في أغسطس/آب 2021.
نهاية الحرب أم بداية فصل جديد؟
لم يكن الانسحاب الأميركي مجرد نهاية لمهمة عسكرية استمرت نحو عشرين عاماً، بل كان نقطة تحول في تاريخ أفغانستان الحديث.
ففي أعقاب الانسحاب، عادت طالبان إلى الحكم، وأعيد تشكيل مؤسسات الدولة وفق تصورها السياسي، بينما دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتغير عميق في علاقاتها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
أما واشنطن، فقد انتقلت من الوجود العسكري المباشر إلى سياسة تقوم على التعامل الدبلوماسي والإنساني والأمني من خارج أفغانستان، مع استمرار الخلاف حول مستقبل الحكم والعلاقة مع طالبان. وتؤكد الخارجية الأميركية أن اتفاق الدوحة ألزم طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الولايات المتحدة وحلفائها، وبالمشاركة في مفاوضات داخلية بشأن مستقبل البلاد.
وبين 29 فبراير/شباط 2020، يوم توقيع اتفاق الدوحة، و31 أغسطس/آب 2021، يوم مغادرة آخر القوات الأميركية، لم تكن أفغانستان أمام مجرد انسحاب عسكري، بل أمام إعادة رسم كاملة لموازين القوة.
فمن الدوحة بدأت الصفحة الأخيرة من الحرب الأميركية في أفغانستان، وفي كابل أُغلقت الصفحة العسكرية بعد عقدين، لكن السؤال الذي بقي مفتوحاً كان أكبر من سؤال الانسحاب: هل كان اتفاق الدوحة اتفاق سلام فعلاً، أم أنه كان في جوهره اتفاقاً لإنهاء الحرب الأميركية؟
وبعد مرور خمس سنوات، تبدو الإجابة أكثر وضوحاً: لقد أنهى الاتفاق الوجود العسكري الأميركي، لكنه لم ينهِ الصراع السياسي الأفغاني؛ بل مهّد لانتقال السلطة من نظام إلى آخر، وأطلق مرحلة جديدة ما تزال تداعياتها تتجاوز حدود أفغانستان.

