فاتح بلوش
ترجمة : الملف الأفغاني
تشير إفادات مصادر محلية وسياسية إلى استقرار أعداد من أفراد قوات الأمن الأفغانية السابقة في مناطق متفرقة من بلوشستان، وسط ادعاءات بأن بعضهم أُسكن في مواقع ومعسكرات خاصة، وأن آخرين جرى توظيفهم أو الاستعانة بهم في أنشطة أمنية وعسكرية.
وبحسب مصادر تحدثت عن القضية، أُقيم أحد المواقع الأولى المخصصة لهؤلاء الأفراد قرب الطريق الالتفافي في دالباندين، حيث قيل إن بعضهم أقام إلى جانب عناصر من جماعات مسلحة محلية تتهمها أوساط بلوشية بتلقي دعم من مؤسسات الدولة.
كما تحدث سكان في نوشكي وأحمد وال عن مشاهدتهم أفراداً أفغاناً سابقين برفقة قوات باكستانية، مع ادعاءات بمشاركتهم في عمليات أمنية ومداهمات لمنازل. ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من هذه المزاعم.
وظهرت روايات مماثلة في مناطق ذات أغلبية بشتونية، بينها كاليستان وسوران وكوتشلاك، حيث أثار وجود أفراد أفغان سابقين احتجاجات محلية. وقال بعض السكان إن وجودهم تزامن مع مشكلات أمنية واجتماعية، من بينها السرقة والسطو وتعاطي المخدرات.
وفي أعقاب تلك الاحتجاجات، نُقل عن وزير داخلية بلوشستان ضياء لانغوف قوله إن أفراد الأمن الأفغان السابقين أُبعدوا من سوران. غير أن حكومة الإقليم لم تعلن حتى الآن موقفاً شاملاً يوضح طبيعة وجود هؤلاء الأفراد أو وضعهم القانوني والجهات المسؤولة عن إقامتهم.
من أفغانستان إلى المناطق الحدودية
عقب عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان في أغسطس/آب 2021، غادر عدد كبير من مسؤولي الحكومة السابقة وأفراد قوات الجيش والشرطة البلاد، بينما انتقل آخرون، ولا سيما من الرتب الأدنى، إلى المناطق الحدودية القريبة من باكستان وإيران.
وفي بلوشستان، تقول مصادر محلية إن عدداً من هؤلاء الأفراد استقر في مناطق متاخمة للحدود الأفغانية، قبل أن تظهر لاحقاً مزاعم عن تقديم مؤسسات أمنية وعسكرية باكستانية الدعم لبعضهم وتسهيل حركتهم.
وتذهب بعض الروايات إلى أن الهدف الأولي من هذا الدعم كان تشكيل مجموعات يمكن استخدامها في مواجهة طالبان الأفغانية عند الحاجة. إلا أن أوساطاً سياسية وحقوقية بلوشية تقول إن بعض هؤلاء الأفراد أصبحوا يُستخدمون أيضاً في العمليات المرتبطة بالتمرد المسلح في بلوشستان.
وتشير إفادات محلية إلى وجود مواقع لإقامة أفراد أفغان سابقين في هازارغانجي التابعة لكويتا، إضافة إلى كوتشلاك وسوران.
كما قال عبد الرحمن خيتران، الوزير الإقليمي السابق وعضو جمعية بلوشستان عن حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية ـ جناح نواز، إن أفراداً من هذه الفئة أُسكنوا كذلك في المناطق الواقعة بين بارخان وديرة بوغتي.
وفي مناطق أخرى، تحدثت مصادر عن مشاهدة أفراد أفغان سابقين إلى جانب قوات باكستانية خلال عمليات في زهري وزيدي وسلطان شهر وبارشوكي في خاران، وهي ادعاءات لم تصدر بشأنها توضيحات تفصيلية من الجهات الأمنية المعنية.
وكانت تقارير قد ظهرت في وقت سابق من العام بشأن مقتل أفراد قيل إنهم ينتمون إلى القوات الأفغانية السابقة خلال هجوم شنه جيش تحرير بلوشستان على موقع مرتبط بشفيق مينغال في خوزدار. وتصف أوساط قومية بلوشية المجموعة التابعة لمينغال بأنها جماعة مسلحة موالية للدولة، في حين تبقى تفاصيل الحادث وهوية جميع القتلى محل روايات متباينة.
ويكتسب هذا الملف حساسية خاصة في ضوء التاريخ الحديث للمنطقة. فخلال العقدين السابقين لعودة طالبان إلى الحكم، عاش عدد كبير من الأفغان، بمن فيهم أعضاء في الحركة، في أجزاء من بلوشستان. وتستند أوساط بلوشية إلى هذه التجربة للتأكيد على أن اللاجئين الأفغان عاشوا لفترات طويلة وسط المجتمعات المحلية دون أن تتحول إقامتهم، وفق روايتها، إلى عنصر في الصراع الداخلي البلوشي.
مزاعم بالتجنيد مقابل رواتب شهرية
تقول مصادر مطلعة إن عروض عمل مدفوعة الأجر قُدمت إلى جنود وضباط شرطة أفغان سابقين للعمل مع جهات أو مجموعات مرتبطة بالمؤسسات الباكستانية داخل بلوشستان.
وتحدث جندي أفغاني سابق، استخدم اسم “خان” بدلاً من اسمه الحقيقي لأسباب أمنية، عن تلقيه عروضاً للمشاركة في عمليات لمكافحة التمرد مقابل راتب شهري يبلغ نحو 40 ألف روبية باكستانية.
وبحسب روايته، كان الأفراد الذين يقبلون هذه العروض يجري تعريفهم لدى مراكز الشرطة في المناطق التي ينشرون فيها، بما يسهل حملهم للسلاح ومرورهم عبر نقاط التفتيش.
وقال خان إن ضابط شرطة أفغانياً سابقاً تواصل معه مراراً، بصورة مباشرة وعبر وسطاء، محاولاً إقناعه بالانضمام إلى هذه الأنشطة. وأضاف أنه رفض العرض وغادر المنطقة لاحقاً بسبب استمرار محاولات استقطابه.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل روايته، إلا أنها تتقاطع مع اتهامات تطرحها منذ أشهر أوساط سياسية وحقوقية بلوشية بشأن الاستعانة بعسكريين أفغان سابقين في بعض مناطق الإقليم.
القضية تصل إلى الساحة السياسية
أثارت الدكتورة ماهرانغ بلوش، القيادية في لجنة التضامن البلوشية، القضية في بيان صادر من سجن هدى، مشيرة إلى تزايد التقارير بشأن مشاركة أفراد سابقين في القوات الأفغانية في عمليات إلى جانب القوات الباكستانية.
وقالت إن تلك الأنباء أثارت “الغضب والحزن والقلق” في الأوساط البلوشية، مشيرة إلى إفادات من زهري ومناطق أخرى.
كما تحدث سكان في ماستونغ عن استقرار أفراد يُعتقد أنهم خدموا سابقاً في الجيش الأفغاني داخل مبنى مدرسة وتحويله إلى موقع إقامة أو معسكر بدعم من الجيش الباكستاني، وفق ادعاءاتهم.
وانتقل النقاش لاحقاً إلى جمعية بلوشستان، حيث أثار فضل قادر ماندوخيل، عضو جمعية علماء الإسلام وممثل دائرة زوب، قضية وجود جنود أفغان سابقين في منطقته، وطالب الحكومة بتقديم توضيحات بشأن أسباب وجودهم والجهة التي سمحت بإقامتهم.
وزعم ماندوخيل أن آلاف الأفراد الذين خدموا في مؤسسات الدولة الأفغانية خلال عهد الرئيس السابق أشرف غني موجودون حالياً في بلوشستان.
تقرير إيراني عن انضمام عسكريين سابقين إلى جماعات مسلحة
وفي أغسطس/آب، نشرت وكالة أنباء تسنيم الإيرانية شبه الرسمية تقريراً قالت فيه إن عسكريين أفغاناً سابقين غادروا بلادهم بعد سيطرة طالبان عام 2021 وانضموا لاحقاً إلى جماعات مسلحة تنشط في بلوشستان بدعم من مؤسسات عسكرية واستخباراتية باكستانية.
ووفق تقرير الوكالة، تُعرف بعض هذه التشكيلات محلياً باسم “لشكر”، في حين تصفها قوى سياسية وحقوقية بلوشية بأنها “فرق موت”. وتقول تلك الأوساط إن هذه الجماعات تعمل بالتنسيق مع قوات الدولة من دون أن تكون جزءاً رسمياً من مؤسساتها.
ورأى تقرير تسنيم أن الخبرة العسكرية والقتالية التي يمتلكها بعض أفراد الجيش والشرطة الأفغان السابقين، إلى جانب معرفتهم بالمناطق الحدودية، تجعلهم هدفاً محتملاً لعمليات التجنيد، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير منهم بعد سقوط الحكومة السابقة.
وفي حال ثبوت عمليات تجنيد منظمة، فإن الاستفادة من أفراد تلقوا تدريباً عسكرياً ويمتلكون خبرات قتالية قد توفر للجماعات المسلحة الحليفة للسلطات كوادر أكثر خبرة، وتقلل اعتمادها على التجنيد من داخل المناطق البلوشية نفسها.
مخاوف من تداعيات على العلاقات البلوشية ـ الأفغانية
إلى جانب الأبعاد الأمنية، أثارت القضية قلقاً متزايداً بشأن تأثيرها المحتمل على العلاقات التاريخية بين المجتمعات البلوشية والأفغانية.
وتحذر أوساط سياسية وحقوقية بلوشية من أن استغلال الأوضاع الاقتصادية والأمنية الصعبة التي يعيشها أفراد القوات الأفغانية السابقة، ودفعهم إلى الانخراط في النزاع داخل بلوشستان، قد يؤدي إلى توترات اجتماعية وسياسية أوسع.
ووصفت ماهرانغ بلوش العلاقة بين البلوش والأفغان بأنها “رابطة تاريخية وحضارية وإنسانية”، مشيرة إلى أن المجتمعين عاشا تجارب الحرب والنزوح والقمع، وقدما المأوى لبعضهما في مراحل مختلفة.
ودعت شخصيات من القيادة السياسية الأفغانية السابقة إلى التحقيق في المزاعم المتداولة، والعمل على منع أي أفراد خدموا سابقاً في الجيش أو الشرطة من المشاركة في أعمال مسلحة ضد المجتمعات البلوشية.
وقالت إن مشاركة أفغان في أعمال عنف ضد البلوش، إن ثبتت، لا تضر بالبلوش وحدهم، بل تتناقض كذلك مع الإرث التاريخي للعلاقات بين المجتمعين.
وأضافت أن “التاريخ يأتي أحياناً باختبارات يصبح فيها الصمت نفسه موقفاً”، مشددة على أن الروابط التاريخية بين البلوش والأفغان ينبغي ألا تصبح ضحية لمشروعات سياسية أو أمنية مؤقتة.
الحزب الوطني البلوشي يطالب بالتحقيق
من جانبه، أصدر الحزب الوطني البلوشي، الذي يقوده رئيس وزراء بلوشستان السابق سردار أختار مينغال، بياناً أعرب فيه عن قلقه إزاء المزاعم المتعلقة باستخدام أفراد سابقين في القوات الأمنية الأفغانية في عمليات ضد البلوش.
واعتبر الحزب أن مشاركة أي جماعات أو أفراد من خارج المجتمع المحلي في أعمال عنف أو انتهاكات، إذا ثبتت، من شأنها تعميق الأزمة الحقوقية والإضرار بالعلاقات التاريخية بين البلوش والأفغان.
وأشار البيان إلى أن المجتمعين حافظا عبر فترات طويلة على علاقات اجتماعية وسياسية متداخلة، وأن كلاً منهما وفر المساندة للآخر خلال أزمات وحروب ونزوح شهدتها المنطقة.
ودعا الحزب القيادات السياسية والاجتماعية الأفغانية، إلى جانب وجهاء المجتمع الأفغاني، إلى العمل على منع مشاركة أي أفراد أفغان في انتهاكات ضد المدنيين في بلوشستان.
وتؤكد القوى البلوشية التي أثارت القضية أن العلاقات الممتدة بين الشعبين تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون وتقاسم تبعات الصراعات الإقليمية، معتبرة أن الحفاظ على هذه الروابط يستدعي تجنب تحويل الأفراد الأفغان الذين لجؤوا إلى بلوشستان بعد عام 2021 إلى طرف في النزاع الداخلي.
وفي ظل تعدد الروايات وعدم صدور توضيح رسمي شامل من السلطات الباكستانية بشأن حجم وجود أفراد القوات الأفغانية السابقة في بلوشستان أو طبيعة أنشطتهم، تبقى أسئلة أساسية دون إجابة: هل توجد بالفعل عمليات تجنيد منظمة؟ وما الوضع القانوني لهؤلاء الأفراد؟ وهل يشاركون في أنشطة أمنية إلى جانب قوات الدولة أو جماعات مسلحة؟
الإجابة الرسمية والشفافة عن هذه الأسئلة قد تكون ضرورية ليس فقط لتوضيح حقيقة المزاعم المتداولة، وإنما أيضاً لمنع القضية من التحول إلى مصدر جديد للتوتر بين مجتمعات ارتبطت تاريخياً بعلاقات اجتماعية وسياسية عابرة للحدود.

