د. عبدالرازق عبدالوهاب الصافي
دكتوراة من جامعة الملك سعود
لم تكن العلاقة بين المملكة العربية السعودية والطلاب الأفغان علاقة تعليمية عابرة، بل تمثل مسارًا ممتدًا لأكثر من ستة عقود، أسهمت خلاله الجامعات السعودية في تأهيل أجيال من الطلاب الأفغان، وفتحت أمامهم أبواب العلم والمعرفة والتخصص، ليعود كثير منهم إلى مجتمعاتهم حاملين معهم العلم والخبرة والتجربة، ومنذ تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1961م، بدأت مرحلة مهمة في تاريخ التعليم الجامعي للطلاب القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ومن بينهم الطلاب الأفغان.
وقد تطورت هذه التجربة مع توسع مؤسسات التعليم العالي في المملكة، لتشمل لاحقًا جامعات وتخصصات متعددة، ولم تعد مقتصرة على العلوم الشرعية واللغة العربية.
من المدينة المنورة بدأت الرحلة:
كان تأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة نقطة تحول مهمة في مسيرة التعليم العالي الموجه إلى الطلاب من العالم الإسلامي، فقد أنشئت الجامعة بأمر ملكي عام 1381هـ، وبدأت الدراسة فيها في العام نفسه، لتصبح مع مرور الزمن مؤسسة تعليمية عالمية تستقبل طلابًا من دول وثقافات متعددة،
وكان الطلاب الأفغان جزءًا من هذه المسيرة العلمية، حيث استفادوا من البيئة العلمية التي وفرتها الجامعة، ومن برامجها في العلوم الشرعية واللغة العربية وغيرها من المجالات، ومع مرور العقود، اتسعت خريطة التعليم العالي في المملكة، وأصبح بإمكان الطلاب الدوليين الالتحاق بعدد أكبر من الجامعات والتخصصات، بما فيها المجالات العلمية والهندسية والتقنية والإدارية.
التعليم السعودي.. من العلوم الشرعية إلى التخصصات الحديثة
ارتبط حضور الطلاب الأفغان في الجامعات السعودية في بداياته بصورة أساسية بدراسة العلوم الإسلامية واللغة العربية، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى طبيعة المؤسسات التعليمية التي كانت تستقبلهم آنذاك، لكن التطور الذي شهدته منظومة التعليم العالي السعودية غيّر هذه الصورة تدريجيًا، فاليوم أصبحت المملكة تضم منظومة جامعية واسعة تشمل تخصصات متنوعة في العلوم والهندسة والتقنية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والإدارة وغيرها، وهذا التحول مهم بالنسبة للطلاب الأفغان؛ لأنه نقل تجربة الابتعاث والمنح من إطار التعليم الشرعي واللغوي إلى فضاء أوسع من التأهيل العلمي والمهني.
المنح الدراسية.. استثمار في الإنسان
لا تقتصر أهمية المنح الدراسية التي تقدمها المملكة للطلاب الدوليين على الجانب الأكاديمي، وإنما تمتد إلى بناء جسور التواصل بين الشعوب والثقافات، وتوضح منصة «ادرس في السعودية» التابعة لوزارة التعليم أن المنح الكاملة للطلاب غير السعوديين يمكن أن تشمل تكاليف الدراسة والخدمات التي تقدمها المؤسسة التعليمية، إضافة إلى مزايا وحوافز تشمل وفق الأنظمة ونوع المنحة، السكن والرعاية الصحية والمكافآت وتذاكر السفر السنوية، كما أسهمت المنظومة الرقمية الحديثة في تسهيل وصول الطلاب الدوليين إلى فرص التعليم في المملكة، من خلال المنصة الموحدة «ادرس في السعودية»، التي تتيح للطلاب التعرف على البرامج والمؤسسات التعليمية والتقدم للفرص المتاحة، وبذلك لم تعد رحلة الطالب تبدأ من خلال المراسلات والإجراءات التقليدية فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من منظومة إلكترونية أكثر تنظيمًا وسهولة.
الطالب الأفغاني.. منحة دراسية وتجربة إنسانية
الجامعة ليست قاعة محاضرات فقط، فالطالب الأفغاني الذي يقضي سنوات في المملكة يعيش تجربة علمية وثقافية واجتماعية متكاملة؛ يلتقي خلالها بطلاب من مختلف البلدان، ويتعرف على المجتمع السعودي، ويحتك بتجارب وثقافات متعددة، وفي المقابل، يحمل الطالب معه إلى الجامعة شيئًا من بلده وثقافته وتاريخه، وهنا تتحول المنحة الدراسية إلى جسر للتواصل الحضاري، فلا يكون الطالب مجرد متلقٍ للعلم، وإنما يصبح أيضًا سفيرًا لبلاده وثقافتها، ومشاركًا في بناء مساحة من التفاهم بين الشعوب، وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في حالة الطلاب الأفغان، نظرًا لما مرت به أفغانستان خلال العقود الماضية من حروب وتحولات سياسية واجتماعية عميقة، جعلت التعليم أحد أهم المسارات لبناء الإنسان واستعادة المؤسسات.
أثر يتجاوز حدود الشهادة والمستندات التعليمية
يمكن قياس نجاح التجربة التعليمية ليس بعدد الشهادات والوثائق التي يحصل عليها الطلاب فقط، وإنما بما يترتب على تلك الشهادات من أثر في المجتمعات، وقد عاد خريجو الجامعات السعودية إلى أفغانستان عبر عقود مختلفة، والتحقوا بمؤسسات التعليم والبحث العلمي والقضاء والإدارة والعمل المجتمعي ومجالات مهنية متعددة، وبعض هؤلاء الخريجين أصبحوا أساتذة جامعات وباحثين ومؤلفين وإداريين، وأسهموا في نقل ما اكتسبوه من علم وخبرة إلى أجيال جديدة.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للاستثمار في التعليم؛ فالجامعة لا تؤهل فردًا واحدًا فحسب، وإنما يمكن أن يمتد أثر ذلك الفرد إلى طلابه ومؤسساته ومجتمعه.
ستة عقود من التحولات
مرت تجربة الطلاب الأفغان في المملكة خلال أكثر من ستة عقود بظروف وتحولات مختلفة؛ فقد تغيرت أفغانستان، وتغيرت المملكة، وتطورت الجامعات، وتبدلت احتياجات سوق العمل، وانتقلت المعرفة من نمطها التقليدي إلى عصر التقنية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، ومع ذلك بقي التعليم أحد أهم الجسور التي تربط الشعوب، ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة الطلاب الأفغان في الجامعات السعودية بوصفها جزءًا من تاريخ أوسع للتبادل العلمي والثقافي بين المملكة وأفغانستان، وليس مجرد ملف للمنح الدراسية.
الحاجة إلى توثيق التجربة
ورغم أهمية هذه المسيرة الطويلة، فإن جانبًا كبيرًا من تاريخ الطلاب الأفغان في الجامعات السعودية ما يزال بحاجة إلى توثيق علمي شامل، فهناك حاجة إلى دراسة أعداد الطلاب والخريجين عبر العقود، والجامعات التي التحقوا بها، والتخصصات التي درسوها، والبلدان والجهات التي عملوا فيها بعد التخرج، فضلًا عن دراسة أثرهم في التعليم والثقافة والمؤسسات الأفغانية، إن إنشاء قاعدة بيانات أو دراسة أكاديمية شاملة حول خريجي الجامعات السعودية من الأفغان سيكون عملًا مهمًا لحفظ جزء من الذاكرة العلمية المشتركة، وإبراز الأثر الحقيقي لهذه التجربة.
التعليم.. أفضل استثمار في المستقبل
في عالم تتنافس فيه الدول على بناء رأس المال البشري، لم يعد التعليم مجرد خدمة تقدمها الجامعات، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في الإنسان والمستقبل، والتجربة السعودية مع الطلاب الأفغان تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، فكل طالب يحصل على فرصة للتعلم والتخصص يمكن أن يتحول مستقبلًا إلى أستاذ أو باحث أو مهندس أو إداري أو صاحب مشروع أو عنصر فاعل في بناء مؤسسات بلده، ومن هنا فإن أثر المنحة لا ينتهي بانتهاء سنوات الدراسة، بل قد يستمر لعقود، ويتحول من منفعة فردية إلى قيمة اجتماعية وتنموية أوسع.
كلمة وفاء وتقدير
من حق الطلاب الأفغان الذين وجدوا في الجامعات السعودية أبوابًا للعلم والمعرفة أن يعبروا عن تقديرهم لهذه التجربة، ومن حق المملكة كذلك أن تُذكر جهودها التعليمية التي امتدت إلى طلاب من مختلف أنحاء العالم، ومن هنا تأتي كلمات الشكر والتقدير للمملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعبًا، على ما قدمته وتقدمه من فرص تعليمية للطلاب الدوليين، وعلى ما تمثله هذه السياسة التعليمية من إسهام في نشر المعرفة وبناء الإنسان وتعزيز التواصل بين الشعوب، إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا يفقد قيمته بمرور الزمن؛ فقد تنتهي سنوات الدراسة، لكن أثر العلم يبقى، وقد يغادر الطالب الجامعة بشهادة، لكنه يعود إلى مجتمعه حاملًا معه تجربة يمكن أن تصنع فرقًا في حياة الآخرين، وهكذا تظل قصة الطلاب الأفغان في الجامعات السعودية قصة علم وإنسان، وجسرًا ممتدًا بين شعبين، وتجربة تستحق أن تُوثق وتُدرس بوصفها جزءًا من تاريخ التعليم والتواصل الحضاري في المنطقة.

