أثار قرار المجلس الطبي وطب الأسنان الباكستاني توجيه المؤسسات الطبية في البلاد بإعادة الطلاب الأفغان المسجلين في برامج الطب وطب الأسنان إلى أفغانستان، ومنع قبول طلاب أفغان جدد خلال العام الدراسي الحالي، موجة واسعة من الانتقادات داخل أفغانستان وباكستان، وسط مخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية المتصاعدة بين كابل وإسلام آباد إلى قيود تمس قطاعات التعليم والعلاقات الإنسانية بين البلدين.
وبحسب توجيه صادر عن المجلس في الأول من سبتمبر، طُلب من الجامعات والكليات الطبية الباكستانية استكمال الإجراءات الإدارية اللازمة لتسهيل مغادرة الطلاب الأفغان، بما في ذلك إصدار الوثائق المطلوبة. كما مُنعت المؤسسات الطبية من قبول أو تسجيل أو نقل الطلاب الأفغان خلال العام الدراسي الحالي وحتى صدور توجيهات جديدة، وأكدت مصادر باكستانية صحة القرار، فيما لم يحدد المجلس رسميا العدد الإجمالي للطلاب المتأثرين به.
وتأتي الخطوة في وقت تشهد فيه العلاقات بين كابل وإسلام آباد توترا متزايدا، بالتزامن مع تشديد السلطات الباكستانية إجراءاتها المتعلقة بإقامة وترحيل المواطنين الأفغان، وبينما تربط إسلام آباد الإقامة القانونية للأجانب بامتلاك وثائق وتأشيرات سارية، فإن طبيعة القرار الجديد، الذي يستهدف الطلاب الأفغان في قطاع طبي محدد، أثارت تساؤلات بشأن مدى ارتباط الإجراءات التعليمية بالسياق السياسي الأوسع بين البلدين.
كابل: القرار مؤسف وغير إنساني
وصف المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، ذبيح الله مجاهد، القرار بأنه "مؤسف وغير إنساني"، وطالب الحكومة الباكستانية بإعادة النظر فيه، مشيرا إلى أن المتضررين ليسوا مجرد أجانب يقيمون في باكستان، بل طلاب التحقوا بمؤسساتها التعليمية، وكثير منهم ذهبوا إلى البلاد عبر منح دراسية أو بناء على ترتيبات سابقة.
وقال مجاهد إن وزارة التعليم العالي الأفغانية مستعدة لاستيعاب هؤلاء الطلاب وتمكينهم من مواصلة دراستهم داخل أفغانستان، بما يسمح لهم باستكمال مسارهم الأكاديمي من المرحلة التي توقفوا عندها، بدلا من خسارة سنوات من الدراسة والتدريب الطبي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في حالة طلاب الطب وطب الأسنان، إذ إن قطع الدراسة بصورة مفاجئة لا يعني مجرد الانتقال من جامعة إلى أخرى، بل قد يؤدي إلى تعقيدات تتعلق بالمعادلات الأكاديمية، والساعات الدراسية، والتدريب السريري، والامتحانات، والاعتراف بالمؤهلات، فضلا عن الأعباء المالية والنفسية التي قد يتحملها الطلاب وعائلاتهم.
السفارة الأفغانية تحذر من تسييس التعليم
من جهتها، دعت السفارة الأفغانية في إسلام آباد المؤسسات التعليمية الباكستانية والمنظمات الدولية إلى التحرك لحماية الحقوق التعليمية للطلاب الأفغان، مؤكدة أن التعليم والعلاقات العلمية والإنسانية ينبغي ألا تصبح رهينة للخلافات السياسية.
وقال سفير أفغانستان لدى إسلام آباد، سردار أحمد شكيب، إن عددا كبيرا من هؤلاء الطلاب وصلوا إلى باكستان عبر منح دراسية أو في إطار ترتيبات مرتبطة بالجانب الباكستاني، معتبرا أن حرمانهم من مواصلة الدراسة في هذه المرحلة الحساسة قد يترك آثارا بعيدة المدى على مستقبلهم.
ولا تقتصر أهمية القضية على الطلاب أنفسهم؛ فخروج دفعة من طلاب الطب من المسار التعليمي الباكستاني يعني أيضا خسارة استثمار تعليمي يمتد لسنوات، في وقت تواجه فيه أفغانستان تحديات كبيرة في مجال إعداد الكوادر الطبية المتخصصة.
انتقادات من داخل باكستان
ولم يقتصر الاعتراض على الجانب الأفغاني، إذ أثار القرار انتقادات داخل باكستان أيضا، ووصف المبعوث الباكستاني السابق الخاص إلى أفغانستان، آصف دراني، إخراج الطلاب الأفغان، ولا سيما الطالبات، بأنه "صادم"، فيما وصف السياسي الباكستاني محسن داوَر القرار بأنه "مخز وغير إنساني".
كما أعربت أوساط طلابية عن قلقها من مستقبل الطلاب الأفغان، إذ قال رئيس اتحاد الطلاب في باكستان، صديق شريعتي، إن الطلاب يواجهون حالة من عدم اليقين ويعانون من ضغوط نفسية بسبب عدم معرفتهم بما ستؤول إليه أوضاعهم الدراسية والإقامة.
وتعكس هذه الانتقادات أن القضية تجاوزت حدود العلاقة بين الحكومتين، لتصل إلى نقاش أوسع داخل باكستان حول حدود استخدام الإجراءات المتعلقة بالأجانب عندما يكون المتضررون طلابا موجودين في المؤسسات التعليمية منذ سنوات.
منظمة العفو الدولية: القرار تمييزي
ودخلت منظمة العفو الدولية على خط القضية، ووصفت قرار المجلس الطبي وطب الأسنان الباكستاني بأنه "تمييزي وتعسفي بشكل واضح"، محذرة من تداعياته، خصوصا على الطالبات الأفغانيات.
وقالت المنظمة إن باكستان ملزمة، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بضمان الحق في التعليم دون تمييز على أساس الهوية الوطنية، ودعت السلطات الباكستانية إلى إيجاد حل عملي وإنساني يسمح للطلاب الأفغان، بمن فيهم النساء والفتيات، بإكمال دراستهم.
وتحمل قضية الطالبات حساسية إضافية، لأن أي انقطاع في مسارهن الدراسي قد تكون له آثار أكبر على فرص العودة إلى التعليم واستكمال التخصص، خصوصا في المجالات الطبية التي تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتدريب.
بين قرار الإخراج وملف التأشيرات
في المقابل، حاولت إسلام آباد ربط القضية بالإطار القانوني للإقامة، ونقلت صحيفة "دان" عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، سجاد حيدر خان، أن إقامة أي أجنبي من دون تأشيرة ووثائق سارية تعد غير قانونية، وأن السلطات تواصل في الوقت نفسه دراسة طلبات تمديد تأشيرات الطلاب الأفغان وفقا للسياسات والقوانين واللوائح المعمول بها.
ويكشف هذا الموقف عن فجوة بين البعد القانوني والواقع الأكاديمي للقضية: فحتى إذا كان وضع بعض الطلاب مرتبطا بانتهاء التأشيرات أو الوثائق، فإن توجيه المؤسسات التعليمية إلى تسهيل مغادرتهم يضع مستقبلهم الدراسي أمام احتمال الانقطاع قبل حسم طلبات تمديد الإقامة.
وتشير التقارير إلى أن القرار قد يؤثر في نحو ألف طالب أفغاني، رغم أن المجلس الطبي الباكستاني لم يعلن رقما رسميا نهائيا لعدد الطلاب المتضررين.
قرار يتجاوز ملف الطلاب
وتبدو القضية، في سياقها الأوسع، جزءا من مسار أكثر تعقيدا في العلاقات الأفغانية الباكستانية. فخلال الفترة الأخيرة، تصاعدت الإجراءات الباكستانية بحق المواطنين الأفغان، بينما أصبحت ملفات الهجرة والإقامة والتعليم مرتبطة بصورة متزايدة بالمناخ السياسي والأمني بين البلدين.
وفي فبراير الماضي، واجه طلاب طب أفغان في مدينة بهاولبور مشكلة مرتبطة بانتهاء تأشيراتهم، قبل أن تسمح السلطات لهم بصورة مؤقتة بمواصلة الدراسة حتى استكمال وثائق السفر والإقامة، ويشير ذلك إلى أن وضع الطلاب الأفغان في المؤسسات التعليمية الباكستانية لم يكن مستقرا حتى قبل القرار الأخير.
لكن التوجيه الأخير يمثل تطورا أكثر شمولا؛ لأنه لا يتناول فقط الطلاب الذين يواجهون مشكلات في الوثائق، بل ينص على إعادة الطلاب الأفغان المسجلين في برامج الطب وطب الأسنان، إلى جانب وقف قبول طلاب أفغان جدد ومنع عمليات النقل أو الانتقال بينهم وبين المؤسسات الأخرى.
التعليم في قلب الخلاف السياسي
وبعيدا عن الجدل القانوني حول التأشيرات، فإن توقيت القرار وطبيعته يطرحان سؤالا أكبر حول مستقبل العلاقات التعليمية بين أفغانستان وباكستان؛ فالتعليم كان تاريخيا إحدى القنوات التي أبقت العلاقات الشعبية والأكاديمية مفتوحة رغم الخلافات السياسية، وإغلاق هذه القناة أمام الطلاب الأفغان قد يضيف بعدا جديدا إلى التوتر بين البلدين.
ويزداد الأمر حساسية في تخصص الطب، حيث تحتاج أفغانستان إلى كوادر طبية مؤهلة، بينما يحتاج الطلاب الذين بدأوا دراسة الطب بالفعل إلى بيئة مستقرة لاستكمال تدريبهم، ولذلك فإن إعادة الطلاب دون توفير مسار واضح لنقل سجلاتهم الأكاديمية واستكمال مقرراتهم وتدريبهم قد تجعل آثار القرار تتجاوز اللحظة الراهنة إلى سنوات مقبلة.
وفي هذا السياق، فإن مطالبة كابل بإعادة النظر في القرار، وعرض وزارة التعليم العالي استيعاب الطلاب، لا تعكس فقط محاولة لمعالجة أزمة طلابية، بل تكشف أيضا عن إدراك أن مستقبل هذه الفئة أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بالتوتر السياسي بين البلدين.
حامد كرزي: أبعدوا التعليم عن السياسة
بدوره، دعا الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي إلى إبقاء تعليم الشباب والأنشطة الأكاديمية والتعاون العلمي بعيدا عن الخلافات السياسية بين الدول، ووصف قرار إخراج الطلاب الأفغان الذين يدرسون الطب في باكستان بأنه مؤسف، مطالبا بمراجعته وإلغائه.
وبذلك تتسع دائرة الرافضين للقرار لتشمل المسؤولين من الحكومة الأفغانية السابقة والحالية، ومنظمات حقوقية وشخصيات سياسية باكستانية وأوساطا طلابية، في وقت تتمسك فيه إسلام آباد بالإطار القانوني المتعلق بإقامة الأجانب والتأشيرات.
ويبقى مستقبل الطلاب الأفغان مرتبطا بما إذا كانت السلطات الباكستانية ستعيد النظر في القرار أو ستقدم استثناءات للطلاب الذين قطعوا شوطا متقدما في دراستهم، خصوصا أن استمرار الأزمة من دون آلية انتقال واضحة قد يحول قضية إدارية وقانونية إلى أزمة تعليمية وإنسانية أوسع، ويضيف ملفا جديدا إلى قائمة القضايا الحساسة التي تثقل العلاقات بين كابل وإسلام آباد.

