لم تعد تداعيات التوتر المتصاعد بين أفغانستان وباكستان تقتصر على الملفات الأمنية والسياسية، بل أخذت تمتد بصورة متزايدة إلى مجالات يفترض أن تبقى بمنأى عن الخلافات بين الحكومات، وفي مقدمتها التعليم والصحة والروابط الإنسانية، ويبرز القرار الأخير للمجلس الطبي وطب الأسنان الباكستاني بإلزام الطلبة الأفغان في تخصصي الطب وطب الأسنان بالعودة إلى أفغانستان، بوصفه حلقة جديدة في سلسلة من الإجراءات التعسفية التي باتت تلقي بظلالها على حياة مئات بل آلاف الأفغان المقيمين في باكستان.
وتزداد خطورة القرار بالنظر إلى أن المستهدفين ليسوا مهاجرين غير نظاميين أو أشخاصًا دخلوا البلاد بصورة مخالفة أو غير قانونية، وإنما طلبة التحقوا بمؤسسات تعليمية باكستانية بصورة قانونية وبعضهم بمنح قدمتها الحكومة الباكستانية لهم، وأنفقوا سنوات من أعمارهم وأموال أسرهم في سبيل الحصول على تعليم طبي، وبعضهم وصل إلى المراحل النهائية من دراسته، قبل أن يجد نفسه أمام قرار قد يقطع مساره الأكاديمي في اللحظات الأخيرة، ويدمر كل شيء بين ليلة وضحاها.
التعليم في مواجهة الحسابات السياسية
تكمن المفارقة الأساسية في أن التعليم الطبي، الذي يفترض أن يكون مجالًا للتعاون الإنساني وتبادل المعرفة وبعيدا عن القرارات السياسية ومآلاتها، أصبح متأثرا بصورة مباشرة بالتوترات السياسية بين البلدين.
فوفق القرار الصادر عن المجلس الطبي وطب الأسنان الباكستاني، لا يقتصر الإجراء على منع قبول طلبة أفغان جدد، بل يمتد إلى الطلبة الأفغان المسجلين أصلًا في برامج الطب وطب الأسنان، مع مطالبتهم بالعودة إلى أفغانستان، وإلزام المؤسسات التعليمية باستكمال الإجراءات اللازمة لتسهيل مغادرتهم فورا دون نهاية فتراتهم التعليمية.
وهنا تبرز مسألة جوهرية: ما ذنب الطالب الذي التحق بالجامعة بصورة قانونية، ودفع الرسوم، وانتظم في دراسته لسنوات بعيدا عن أنشطة سياسية أو تحركات غير قانونية، ثم وجد أن مستقبله الأكاديمي أصبح رهينة لتطورات لا علاقة له بها؟
إن تحويل الطالب إلى طرف في نزاع سياسي لا يشارك فيه يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة التعليمية والإنسانية؛ فالطالب لا يمثل حكومة بلاده، ولا يتحمل مسؤولية سياساتها، كما أن الجامعة ليست ساحة للصراع السياسي وتنافسه، والشهادة العلمية لا ينبغي أن تكون أداة للعقاب الجماعي.
أكثر من ألف طالب أمام مستقبل غامض
تكتسب القضية بعدًا أكبر مع وجود أكثر من ألف طالب طب أفغاني يدرسون في جامعات باكستانية مختلفة، وفق المعلومات الواردة في هذا الملف، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الطلاب والمقيمين الأفغان الذين يواصلون دراساتهم في باكستان في مقاطع ومجالات مختلفة.
وهؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات جامعية؛ إنهم أطباء محتملون تحتاج إليهم أفغانستان بشدة في ظل التحديات التي يواجهها قطاعها الصحي، وكل عام دراسي يقضيه الطالب في كلية الطب يمثل استثمارًا طويل الأمد في رأس المال البشري، وقطع هذا المسار يعني خسارة سنوات من التعليم والتدريب، فضلًا عن الأعباء المالية والنفسية التي تحملها الطلبة وأسرهم.
وتصبح المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق القرار بطلبة السنوات النهائية؛ لأن إخراج الطالب في هذه المرحلة لا يعني فقط تغيير مكان الدراسة، بل قد يعني تعطيل سنوات كاملة من التحصيل وتدمير مستقبله، وربما فقدان الاعتراف الأكاديمي ببعض المقررات أو الصعوبة في الانتقال إلى مؤسسة تعليمية أخرى واستكمال المتطلبات المهنية.
ومن ثم، فإن أقل ما كان يمكن أن يراعى في مثل هذه القرارات هو وضع ترتيبات انتقالية تضمن للطلبة إكمال تعليمهم، أو السماح لهم بالتخرج قبل العودة إلى بلادهم، خصوصًا أن استمرارهم في الدراسة لا يشكل في ذاته قضية أمنية.
من ملف الهجرة إلى ملف التعليم
لا يمكن قراءة القرار بمعزل عن السياق الأوسع للعلاقة بين باكستان وأفغانستان، فمنذ سبتمبر/أيلول 2023، وسّعت السلطات الباكستانية عمليات إعادة الأفغان إلى بلادهم، وتهجيرهم القسري دون مراعاة ظروفهم وأحوالهم، وشملت الإجراءات فئات مختلفة من المقيمين الأفغان معظمهم يحملون أوراقا قانونية للبقاء والعيش في باكستان.
ووفق الأرقام المنسوبة إلى المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد الأفغان الذين عادوا من باكستان إلى أفغانستان منذ سبتمبر/أيلول 2023 وحتى نهاية يوليو/تموز 2026 حاجز 2.6 مليون شخص معظم هؤلاء تعرضوا لتهجير قسري ومعاملة قاسية، ومصادرة ممتلكات، وتدمير منازل وقرى على أيدي السلطات الباكستانية.
وبذلك لم تعد قضية الهجرة مجرد ملف إداري يتعلق بالإقامة والتأشيرات، بل تحولت إلى أحد أبرز الملفات الحساسة في العلاقات بين البلدين، وأداة للضغط على البلد الذي حمله على عاتقه أعباء وتكاليف الحرب التي استمرت خمسين عاما.
ومع اتساع نطاق إجراءات العودة، بدأ تأثيرها يطال قطاعات مختلفة من حياة الأفغان، من العمل والإقامة إلى التعليم والأسرة، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى ارتباط هذه الإجراءات بالسياق السياسي والأمني الأوسع.
وفي هذه الحالة تحديدًا، يبدو أن الطالب الأفغاني بات يدفع ثمن تدهور العلاقات السياسية، رغم أن وجوده في باكستان يرتبط أساسًا بهدف أكاديمي مشروع بحت.
ذريعة الأمن لا ينبغي أن تمتد إلى التعليم
تقول إسلام آباد إن جزءًا كبيرا من خلافها مع كابل يرتبط بالوضع الأمني، ولا سيما اتهاماتها بوجود عناصر من حركة "طالبان باكستان" وجماعات مسلحة أخرى على الأراضي الأفغانية، لكن كابل ترفض هذه الاتهامات، وتؤكد أنها لا تسمح باستخدام أراضيها لتنفيذ هجمات ضد باكستان ودول أخرى.
وبغض النظر عن الخلاف حول هذه الاتهامات، فإن نقل الصراع الأمني إلى مجالات التعليم والصحة والهجرة يفتح الباب أمام معاقبة فئات لا علاقة لها بالملف الأمني؛ فالطالب الذي يجلس في قاعة المحاضرات لدراسة الطب ليس طرفًا في النزاع الأمني، والطبيب الذي يستعد لخدمة المرضى دون النظر في انتماءاتهم ليس مسؤولًا عن الخلافات بين الحكومتين، والأسرة التي تبحث عن مستقبل أفضل لأبنائها لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة في صراع سياسي.
ومن ثم، فإن ربط الحقوق الأساسية للطلبة بمسار العلاقات السياسية يضعف مبدأ الفصل بين الخلافات الحكومية والحقوق الإنسانية للأفراد.
أثار القرار انتقادات وردود فعل غاضبة داخل أفغانستان، ومن بينها الانتقادات التي صدرت عن المتحدث باسم شرطة كابل، خالد زدران، التي تعكس حجم الاستياء الأفغاني من القرار، فقد وصف الأخير طرد الطلبة الأفغان، خصوصًا في سنتهم النهائية، بأنه إجراء ضعيف وحاقد وظالم، معتبرًا أن مثل هذه الخطوة لا تعبّر عن القوة بقدر ما تعبّر عن استخدام النفوذ ضد فئة ضعيفة لا علاقة لها بالخلافات السياسية.
وبصرف النظر عن حدة اللغة المستخدمة في التصريحات، فإن جوهر الاعتراض يسلط الضوء على سؤال مهم: هل ينبغي أن تتحول الخلافات بين الدول إلى عقوبة تطال الطلاب؟
هذا السؤال لا يتعلق بأفغانستان وباكستان وحدهما، بل بمبدأ أوسع في العلاقات الدولية، وهو ضرورة حماية المساحات الإنسانية والتعليمية من التجاذبات السياسية قدر الإمكان.
كما أن السفارة الأفغانية في إسلام آباد أبدت قلقًا بالغًا إزاء القرار الباكستاني بحق الطلبة الأفغان، مشيرة إلى أن هذا الإجراء سيؤثر بصورة كبيرة في المسار التعليمي ومستقبل الطلبة الأفغان الذين بدأوا دراستهم بصورة قانونية، وهم الآن في طور استكمال مراحلهم الدراسية بعد سنوات من الجهد والوقت والتكاليف المالية والمعنوية، وطالبت بدورها المؤسسات التعليمية الباكستانية، والمؤسسات الدولية المعنية بالمجالات الطبية والتعليمية والإنسانية والمهنية، بإيلاء الاهتمام اللازم لحماية الحقوق التعليمية للطلبة الأفغان، بما يتيح لهم إكمال دراستهم دون عوائق.
حتى أصوات باكستانية تطالب بالمراجعة
اللافت أن الانتقادات لم تأتِ من الجانب الأفغاني وحده، إذ دعا السفير الباكستاني السابق لدى أفغانستان، منصور أحمد خان، إلى إعادة النظر في القرار، مستندًا إلى اعتبارات إنسانية وإلى طبيعة العلاقات التاريخية بين الشعبين، واقترح السماح للطلبة الأفغان بإكمال دراستهم ثم العودة إلى أفغانستان بعد التخرج.
وتحمل هذه الدعوة أهمية خاصة؛ إذ أنها جاءت من طرف باكستاني كان منخرطا في الملف الأفغاني ويطالب بحكومة بلاده بأن تميز بين الملفات المختلفة، مؤكدا أن من الممكن معالجة قضايا الهجرة والأمن بصورة مستقلة، مع إبقاء الطلبة الذين بدأوا دراستهم بصورة قانونية حتى إكمال برامجهم الأكاديمية.
وهذا النوع من الحلول يبدو أقل تكلفة سياسيًا وإنسانيًا من طرد الطلبة في منتصف مسارهم الدراسي.
بين الضغط السياسي والعقاب الجماعي
المشكلة الأعمق في السياسات التي تستهدف الأفغان بصورة واسعة هي أنها قد تؤدي إلى طمس الفارق بين المسؤولية الفردية والانتماء الوطني، فعندما يُعامل ملايين الأشخاص باعتبارهم كتلة واحدة بسبب جنسيتهم، تصبح أخطاء أو خلافات الحكومات سببًا في تحميل الأفراد تبعات لا علاقة لهم بها.
وهذا ما يجعل قضية الطلبة الطبية أكثر حساسية؛ لأنهم يمثلون فئة يمكن تعريفها بوضوح أنهم أشخاص دخلوا المجال الأكاديمي، وخضعوا للأنظمة التعليمية، واستثمروا سنوات من حياتهم في تخصص مهني، ولا توجد في القرار المعلن إشارة إلى ارتكابهم مخالفة فردية تستوجب الإبعاد.
وبالتالي، فإن شمولهم بإجراءات واسعة مرتبطة بالجنسية أو بالعلاقات السياسية يثير شبهة استخدام ملف التعليم كأداة ضغط غير مباشرة.
الخاسر ليس الطالب وحده
قد يبدو للوهلة الأولى أن المتضرر المباشر من القرار هو الطالب، لكن آثاره تمتد إلى ما هو أبعد.
فأفغانستان، التي تحتاج إلى تطوير كوادرها الطبية وتعزيز قطاعها الصحي، ستخسر جزءًا من طلابها الذين كانوا يتلقون تدريبًا في مؤسسات باكستانية، وكان البلد بأمس الحاجة لخدمتهم، كما أن الأسر الأفغانية التي تحملت تكاليف سنوات من الدراسة قد تجد نفسها أمام خسائر مالية كبيرة.
وفي المقابل، تخسر المؤسسات التعليمية الباكستانية مكانتها ومهنيتها، وجزءًا من الطلبة الذين كانوا يمثلون مصدرًا للرسوم والعلاقات الأكاديمية الدولية.
أما على المستوى الشعبي، فإن مثل هذه القرارات تزيد من التوتر بين شعبين تجمعهما حدود طويلة وروابط تاريخية واجتماعية واقتصادية متشابكة، وتعمّق الانطباع بأن الخلافات السياسية بدأت تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأفراد.
هل يتحول ملف المهاجرين إلى أداة ضغط؟
تثير التطورات المتلاحقة سؤالًا أكبر حول مستقبل ملف الأفغان في باكستان: هل يجري التعامل مع قضية المهاجرين بوصفها مسألة قانونية وإدارية بحتة، أم أنها أصبحت أيضًا وسيلة ضغط في إدارة الخلافات مع كابل؟
لا يمكن الجزم بنوايا السلطات من خلال قرار واحد، لكن تراكم الإجراءات التي تطال شرائح مختلفة من الأفغان يجعل التساؤل مشروعًا، فحين تتزامن عمليات إعادة واسعة مع قيود على الإقامة، وتظهر في الوقت نفسه إجراءات تمس طلبة بدأوا دراستهم بصورة قانونية، يصبح من الصعب فصل جميع هذه التطورات عن المناخ السياسي العام الذي يحكم العلاقات بين البلدين.
والمشكلة هنا ليست في حق أي دولة في تنظيم الهجرة أو تطبيق قوانينها، وإنما في كيفية ممارسة هذا الحق، واستغلاله وتسييسه، ومدى مراعاته للحقوق المكتسبة، والظروف الإنسانية، والالتزامات التعليمية والمهنية القائمة.
العلاقات بين الجوار لا تُبنى بالعقاب
أفغانستان وباكستان ليستا دولتين بعيدتين يمكنهما تجاهل آثار سياساتهما المتبادلة. روابط مشتركة، والتداخل الاجتماعي، والتجارة، والهجرة، والروابط الأسرية، كلها تجعل أي قرار تتخذه إسلام آباد أو كابل قادرًا على إحداث آثار مباشرة في المجتمع الآخر. ولهذا فإن إدارة الخلافات بين البلدين تحتاج إلى أدوات سياسية ودبلوماسية، لا إلى توسيع دائرة المتضررين لتشمل الطلبة والمرضى والأسر والمهاجرين.
فالخلاف حول الأمن يجب أن يناقش في القنوات الأمنية والسياسية، والخلاف حول خط "ديوراند" يعالج عبر التفاوض، وقضايا الهجرة تعالج من خلال آليات قانونية وإنسانية واضحة، أما التعليم فينبغي أن يبقى جسرًا للتواصل لا ساحة للعقاب.
قرار واحد يكشف أزمة أوسع
في نهاية المطاف، لا تكمن أهمية قضية الطلبة الأفغان في عددهم وحده، ولا في قرار المجلس الطبي الباكستاني فقط، وإنما في كونها تكشف اتجاهًا أكثر اتساعًا في العلاقات الأفغانية الباكستانية: كلما تصاعد الخلاف السياسي، اتسعت دائرة المجالات التي يدفع فيها المواطنون ثمن الخلاف.
والطالب الذي كان يفترض أن ينشغل بالامتحان والتدريب السريري أصبح منشغلًا بمصيره، والأسرة التي كانت تخطط لتخرج ابنها باتت تخشى ضياع سنوات من الاستثمار، والمهاجر الذي يبحث عن الأمان والاستقرار يجد نفسه أمام مستقبل غير واضح.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق باكستان في مراجعة القرار، وإنما أيضًا على المجتمع الدولي والمؤسسات التعليمية والمهنية والإنسانية في الدفاع عن مبدأ واضح غير قابل للمساومة: لا ينبغي أن يكون التعليم رهينة للسياسة، ولا أن تتحول الهجرة إلى وسيلة للعقاب الجماعي، ولا أن يدفع المدنيون ثمن الخلافات بين الحكومات.
إن السماح للطلبة الأفغان بإكمال دراستهم ثم العودة إلى بلادهم بعد التخرج ليس تنازلًا سياسيًا من باكستان، بل حل إنساني ومنطقي يحفظ مصالح جميع الأطراف، وهو في الوقت نفسه اختبار حقيقي لقدرة البلدين على الفصل بين خلافاتهما السياسية وحقوق الشعوب التي تتجاوز حدود الدول.
فحين تُغلق أبواب السياسة، ينبغي ألا تُغلق معها أبواب الجامعات، وحين تتوتر العلاقات بين الحكومات، يجب ألا يتحول الطالب إلى ساحة جديدة للصراع.

