في ظاهرها، تبدو صفقة شركة دلتا إنترناشونال السعودية مع الحكومة الأفغانية اتفاقاً للاستثمار في التنقيب عن النفط والغاز غرب أفغانستان. لكن ما يرافق العقد من خطط ومشاريع مقترحة يفتح باباً أوسع: إنشاء شبكة طاقة تمتد من حقول الغاز الأفغانية والتركمانية إلى المدن والمناطق الصناعية الأفغانية، ومنها إلى الحدود الباكستانية وربما الموانئ والأسواق في جنوب آسيا.
العقد الذي تبلغ قيمته الأولية 200 مليون دولار، ويمتد 25 عاماً، يتعلق باستكشاف واستخراج النفط والغاز في حوض كشك-تيربل بولاية هرات، على مساحة تقارب 22 ألف كيلومتر مربع، مع فترة استكشاف تبلغ ثماني سنوات.
لكن قيمة الصفقة الحقيقية قد لا تكمن في مبلغها الأولي، وإنما فيما يمكن أن تفتحه إذا أثبتت عمليات الاستكشاف وجود احتياطيات تجارية. فالشركة تبحث أيضاً في استخدام الغاز لتوليد الكهرباء وتشغيل الصناعة في هرات، وإنشاء خط أنابيب يمتد من منطقة غزارة في هرات إلى سبين بولدك في قندهار، والارتباط بمشروع «تابي»، وصولاً إلى تصور لإنشاء مركز للغاز في غوادر الباكستانية.
وبذلك، تبدو الصفقة أقرب إلى محاولة لبناء منظومة طاقة متكاملة منها إلى مشروع تنقيب منفرد.
200 مليون دولار.. ماذا وراء الرقم؟
يجب التمييز منذ البداية بين ما أصبح عقداً فعلياً وما يزال في إطار الخطط المستقبلية.
فالاستثمار المؤكد المعلن حالياً هو 200 مليون دولار، وهو مرتبط بمرحلة الاستكشاف والتطوير الأولي في حوض كشك-تيربل. أما الحديث عن عشرات المليارات من الدولارات، فيرتبط ببرنامج أوسع ومشروعات محتملة تعتمد على نتائج الاستكشاف، والجدوى الفنية والاقتصادية، وإمكانية الحصول على التمويل، واتخاذ قرارات الاستثمار النهائية.
وهذا التفريق مهم، لأن بعض التغطيات الإعلامية قدمت أرقاماً تصل إلى 50 مليار دولار باعتبارها قيمة الصفقة، بينما تشير طبيعة المشاريع المعلنة إلى أنها إمكانات استثمارية مستقبلية وليست أموالاً دخلت أفغانستان بالفعل.
لذلك فإن الرقم الأكثر دقة في توصيف الاتفاق الحالي هو 200 مليون دولار، بينما تمثل الأرقام الأكبر سقفاً محتملاً لبرنامج طويل الأجل إذا نجحت المرحلة الأولى.
من النفط والغاز إلى اقتصاد الطاقة
تكمن أهمية المشروع في انتقاله من سؤال ماذا يوجد تحت الأرض؟ إلى سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف يمكن تحويل المورد الموجود تحت الأرض إلى شبكة اقتصادية؟
وتظهر الخطط المعلنة ثلاثة مستويات مترابطة:
الأول: الاستكشاف والإنتاج.
البحث عن النفط والغاز وتطوير الحقول القابلة للإنتاج التجاري.
الثاني: النقل والبنية التحتية.
إنشاء خطوط أنابيب وشبكات تخزين وربط مناطق الإنتاج بمراكز الاستهلاك والأسواق.
الثالث: الاستهلاك والتصنيع.
استخدام الغاز في توليد الكهرباء وتوفير الطاقة للصناعة، قبل التفكير في تصديره إلى الخارج.
وهذا النموذج يمكن أن يغير طبيعة قطاع الطاقة الأفغاني. فبدلاً من استخراج المادة الخام وتصديرها، تصبح الطاقة مدخلاً للصناعة والكهرباء والنقل والتجارة الإقليمية.
هرات.. نقطة البداية في ممر الطاقة الجديد
اختيار هرات ليس تفصيلاً جغرافياً عابراً.
فالمدينة تقع في غرب أفغانستان بالقرب من تركمانستان وإيران، وتشكل تاريخياً إحدى أهم بوابات البلاد نحو آسيا الوسطى وإيران. وفي المقابل، يرتبط جنوب غرب البلاد بممرات تؤدي إلى قندهار والحدود الباكستانية.
ومن هنا تكتسب فكرة إنشاء شبكة غاز تربط هرات بقندهار أهمية تتجاوز تزويد مدينة أو منطقة بالطاقة.
فإذا ثبتت جدوى الموارد الغازية، يمكن أن تتحول هرات إلى مركز إنتاج واستهلاك ومعالجة، بينما تصبح قندهار نقطة اتصال باتجاه السوق الباكستانية.
وتبحث دلتا بالفعل في خط أنابيب من منطقة غزارة في هرات إلى سبين بولدك، في مشروع يمكن أن يصبح أحد أطول مشاريع نقل الغاز داخل أفغانستان إذا انتقل من الدراسة إلى التنفيذ.
700 كيلومتر قد تغير وظيفة أفغانستان
يبلغ طول خط الأنابيب المقترح نحو 700 كيلومتر وفق الخطط التي جرى تداولها.
لكن أهمية هذا المشروع لا تقاس بطوله فقط، وإنما بموقعه على الخريطة.
فخط يمتد من غرب أفغانستان إلى حدودها الجنوبية الشرقية يمكن أن يربط موارد الطاقة في الغرب بممرات التجارة والطاقة المتجهة إلى باكستان.
وهنا تظهر فكرة مختلفة عن الدور التقليدي لأفغانستان.
فالدولة التي لطالما وُصفت بأنها دولة حبيسة يمكن أن تستفيد من موقعها البري لتحويل أراضيها إلى ممر اقتصادي بين منتجي الطاقة في الشمال والأسواق في الجنوب.
غير أن هذا التحول لا يزال مشروطاً بثلاثة عوامل: إثبات احتياطيات كافية، توفير تمويل ضخم للبنية التحتية، ووجود سوق قادرة على شراء الغاز على المدى الطويل.
تابي.. المشروع القديم يعود من بوابة جديدة
لا يمكن فهم تحركات دلتا الحالية من دون العودة إلى تاريخ خطط نقل الغاز التركماني عبر أفغانستان.
ففي تسعينيات القرن الماضي، ارتبطت شركة دلتا بشركة يونوكال الأميركية في مشروع سينت غاز، الذي كان يستهدف نقل الغاز التركماني عبر أفغانستان إلى باكستان والهند. وتعثرت الفكرة بسبب الحرب وعدم الاستقرار.
ثم ظهرت لاحقاً صيغة تابي الحكومية، التي تقوم على نقل الغاز من تركمانستان عبر أفغانستان إلى باكستان ثم الهند.
ويمتد مشروع تابي المخطط له نحو 1800 كيلومتر، بطاقة تصميمية تبلغ قرابة 33 مليار متر مكعب سنوياً، ويعبر الأراضي الأفغانية من هرات باتجاه قندهار قبل دخوله الأراضي الباكستانية.
وهكذا، فإن فكرة ربط آسيا الوسطى بجنوب آسيا عبر أفغانستان ليست جديدة؛ الجديد هو محاولة إعادة دمجها في تصور أوسع للطاقة.
ما الذي تغير منذ التسعينيات؟
الظروف لم تصبح بسيطة، لكن البيئة الاقتصادية المحيطة بأفغانستان تغيرت.
فتركمانستان تبحث عن أسواق ومسارات تصدير جديدة، فيما تحتاج باكستان إلى الطاقة، وتظل الهند سوقاً ضخمة للغاز على المدى الطويل.
وفي الوقت نفسه، بدأت أعمال القسم الأفغاني من تابي بالفعل، وأصبح المشروع جزءاً من البنية التحتية الإقليمية التي يجري العمل عليها في غرب أفغانستان.
وتقول تقارير أفغانية إن دلتا أبدت اهتماماً بشراء الغاز من مشروع تابي، إلى جانب بحثها تطوير خطوط غاز أخرى وربطها بالبنية التحتية الإقليمية.
وهذا يعني أن دلتا لا تدخل إلى سوق أفغانية معزولة، بل إلى منطقة بدأت فيها بالفعل عملية بناء شبكة طاقة عابرة للحدود.
من أفغانستان إلى غوادر
الوجه الآخر للمشروع هو باكستان.
فإذا أصبحت هرات مركزاً لإنتاج الغاز ونقله، فإن الاتجاه جنوباً يمكن أن يمنح أفغانستان اتصالاً مباشراً بشبكة الطاقة والأسواق الباكستانية.
وهنا تبرز غوادر باعتبارها نقطة محتملة في تصور دلتا الأوسع.
إنشاء مركز للغاز في ميناء غوادر، إذا تحقق، سيعني أن المشروع لا ينتهي عند الحدود الأفغانية-الباكستانية، بل يمتد إلى ساحل بحر العرب.
وهذا يضيف بعداً جيو-اقتصادياً مهماً: تحويل الطاقة البرية في آسيا الوسطى إلى سلعة يمكن أن تصل في النهاية إلى الموانئ والأسواق البحرية.
لكن هذه الرؤية تظل في الوقت الحالي مشروعاً مستقبلياً، وليست شبكة مكتملة.
لماذا أفغانستان؟
بالنسبة إلى شركة طاقة، تمثل أفغانستان مزيجاً غير معتاد من المخاطر والفرص.
هناك مخاطر تتعلق بالبنية التحتية والتمويل والبيئة الاستثمارية والعلاقات الدولية.
لكن في المقابل توجد مساحة جغرافية واسعة، وموارد هيدروكربونية لم تستثمر بالكامل، وموقع لا يمكن تجاوزه بسهولة إذا أرادت آسيا الوسطى الوصول براً إلى جنوب آسيا.
ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار المبكر يمكن أن يمنح الشركة موقعاً مهماً إذا أثبتت الاستكشافات وجود احتياطيات كبيرة.
فالربح المحتمل لا يأتي فقط من بيع النفط والغاز، بل من امتلاك موقع في سلسلة القيمة بأكملها: الإنتاج، النقل، التخزين، الكهرباء، الصناعة، ثم التصدير.
خليل زاد.. البعد السياسي للصفقة
أثار حضور زلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان، خلال مراسم توقيع الاتفاق اهتماماً سياسياً واسعاً.
لكن من المهم الفصل بين الحضور الشخصي وبين وجود دور رسمي للحكومة الأميركية.
ولا تكفي مشاركته في المناسبة لإثبات أنه يمثل واشنطن أو يعمل بتكليف رسمي منها.
في المقابل، فإن خبرته الطويلة في الملف الأفغاني وعلاقاته السياسية والاقتصادية تجعل وجوده عنصراً يستحق المتابعة، خصوصاً أن الاستثمار في مشروع يمتد ربع قرن يحتاج إلى شبكة واسعة من العلاقات والضمانات السياسية والاقتصادية.
وبالتالي، فإن دوره الفعلي في المشروع يحتاج إلى معلومات إضافية قبل استخلاص استنتاجات جيوسياسية حاسمة.
هل تستطيع أفغانستان تحويل الجغرافيا إلى ثروة؟
هذا هو السؤال الأصعب.
فالموقع الجغرافي وحده لا يبني خطوط الأنابيب.
الخطوط تحتاج إلى غاز كافٍ، وتمويل طويل الأجل، وعقود شراء، وتأمين للمستثمرين، وترتيبات سياسية بين الدول التي تمر بها.
كما أن مشاريع الطاقة العملاقة لا تُبنى خلال سنوات قليلة؛ فهي تحتاج إلى استقرار تنظيمي وسياسي يمتد لعقود.
لذلك فإن الاختبار الأول أمام دلتا ليس خط هرات-سبين بولدك ولا مركز غوادر.
الاختبار الأول هو باطن الأرض نفسه.
إذا أظهرت الدراسات وجود احتياطيات تجارية كبيرة في كشك-تيربل، فسوف يصبح منطق الاستثمار في الأنابيب ومحطات الطاقة أكثر قوة.
أما إذا كانت النتائج محدودة، فقد يتراجع حجم البرنامج الإقليمي إلى نطاق أصغر بكثير.
ثلاثة سيناريوهات للمشروع
يمكن تصور مستقبل مشروع دلتا في أفغانستان عبر ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: الاكتشاف الكبير.
تثبت عمليات الاستكشاف وجود احتياطيات تجارية كبيرة، فتنتقل الشركة إلى تطوير الحقول وإنشاء شبكات النقل وتوسيع استثماراتها في الكهرباء والصناعة. في هذه الحالة يمكن لأفغانستان أن تصبح منتجاً وممراً للطاقة في الوقت نفسه.
السيناريو الثاني: اكتشاف متوسط.
تظهر موارد قابلة للاستثمار لكنها لا تكفي لمشروعات ضخمة، فتتجه دلتا إلى تلبية الطلب المحلي في هرات وربما إنشاء خطوط محدودة للنقل، بينما يبقى الدور الإقليمي محدوداً.
السيناريو الثالث: فشل اقتصادي.
تظهر نتائج الاستكشاف أن الموارد لا تبرر استثمارات البنية التحتية الضخمة، فتظل الصفقة مشروعاً استكشافياً محدود الأثر، وتتراجع خطط الأنابيب والمراكز الإقليمية.
وهذا يجعل السنوات المقبلة حاسمة بالنسبة إلى المشروع.
من دولة حبيسة إلى عقدة طاقة؟
تكمن المفارقة في أن ما كان يُنظر إليه لعقود باعتباره نقطة ضعف لأفغانستان يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة.
فأفغانستان لا تملك منفذاً بحرياً، لكنها تقع بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
وتملك تركمانستان أحد أكبر احتياطيات الغاز في المنطقة، بينما تحتاج باكستان والهند إلى مصادر إضافية للطاقة.
وبين الطرفين تقع أفغانستان.
لهذا فإن قيمة مشروع دلتا لا تكمن فقط في استخراج النفط والغاز، وإنما في إمكانية بناء جسر للطاقة فوق الجغرافيا الأفغانية.
وإذا التقت موارد الغاز مع خطوط الأنابيب، والتقت الأنابيب بالصناعة والكهرباء، ثم ارتبطت الشبكة بالأسواق والموانئ، فإن الاقتصاد الأفغاني قد يبدأ في التحول من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والمساعدات والتحويلات إلى اقتصاد يستفيد من موقعه في سلاسل الطاقة الإقليمية.
الخلاصة
صفقة دلتا ليست بعدُ مشروعاً بقيمة 50 أو 60 مليار دولار، كما أن خط هرات-سبين بولدك ومركز غوادر لم يتحولا إلى واقع.
المؤكد حتى الآن هو عقد استكشاف وإنتاج أولي بقيمة 200 مليون دولار.
لكن ما يجعل الصفقة جديرة بالاهتمام هو أنها تضع أمام أفغانستان تصوراً مختلفاً لدورها الاقتصادي.
فإذا أثبتت عمليات الاستكشاف وجود موارد تجارية، فقد لا تكون أفغانستان مجرد مكان يُستخرج منه النفط والغاز.
قد تصبح مكاناً يُنتج فيه الغاز، ويُستهلك، وتُنقل عبره الطاقة، وتُبنى حولها صناعات، ثم تتصل أسواقها بشبكات الطاقة الإقليمية.
وهنا تتجاوز صفقة دلتا حدود قطاع المناجم والبترول.
إنها، في أفضل سيناريوهاتها، محاولة لإعادة تعريف الجغرافيا الاقتصادية لأفغانستان: من بلد حبيس يقع بين مناطق نفوذ متنافسة، إلى عقدة برية تصل بين غاز آسيا الوسطى وأسواق جنوب آسيا والموانئ المطلة على المحيط الهندي.
لكن الطريق من العقد إلى هذه النتيجة لا يزال طويلاً، وأول اختبار له سيأتي من باطن الأرض قبل أن يصل إلى خطوط الأنابيب.

