لم يكن قرار باكستان إلزام الطلاب الأفغان الدارسين في كليات الطب وطب الأسنان بالعودة إلى أفغانستان مجرد إجراء إداري يتعلق بالإقامة أو القبول الجامعي؛ بالنسبة إلى مئات الطلاب، ولا سيما الطالبات، قد يعني القرار انقطاعاً مفاجئاً لمسار أكاديمي امتد سنوات، وضياع فرصة الحصول على شهادة مهنية باتت في بلدهم الأصلي شبه مستحيلة بالنسبة إلى النساء.
ففي الأول من سبتمبر/أيلول 2026، أصدر المجلس الطبي وطب الأسنان الباكستاني توجيهاً إلى المؤسسات الطبية يقضي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتسهيل عودة الطلاب الأفغان المسجلين لديها، كما منع قبول طلاب أفغان جدد أو إجراء تحويلات أو تنقلات لهم خلال العام الأكاديمي الحالي إلى حين صدور تعليمات أخرى. وأكدت مؤسسات تعليمية باكستانية لاحقاً بدء تنفيذ القرار، فيما أفادت تقارير بأن بعض الطلاب، بينهم طالبات، طُلب منهم استكمال إجراءات المغادرة.
وتكتسب الخطوة حساسية خاصة لأن بعض المتضررين قطعوا بالفعل أشواطاً متقدمة في دراستهم، بينما يواجه الطلاب الأفغان، وبالأخص الطالبات، واقعاً تعليمياً مختلفاً جذرياً في الداخل الأفغاني. وقد حذرت منظمة لجنة حقوق الانسان من أن إعادة الطالبات إلى أفغانستان قد تعرض مستقبلهن التعليمي للخطر، في ظل استمرار حرمان النساء من التعليم الجامعي.
من الجامعة إلى الحدود.. طلاب يدفعون ثمن الخلافات السياسية
جاء القرار في وقت تشهد فيه العلاقات بين إسلام آباد وكابل توتراً متصاعداً، وفي ظل حملة أوسع لإعادة الأفغان المقيمين في باكستان إلى بلادهم. ولذلك يصعب فصل القرار المتعلق بالطلاب عن السياق السياسي والأمني الأوسع بين البلدين، حتى وإن قدمته السلطات الباكستانية في إطار سياسات الإقامة والهجرة.
غير أن وضع الطلاب يختلف عن وضع المهاجرين أو المقيمين المخالفين لشروط الإقامة. فالطالب الذي أمضى سنوات في كلية الطب ليس مجرد شخص ينتظر مغادرة البلاد؛ إنه مشروع مهني وتعليمي في منتصف الطريق. وقطع هذا المسار قبل التخرج قد يعني خسارة سنوات من الدراسة والموارد والجهد، فضلاً عن ضياع استثمار المؤسسات والجامعات في هؤلاء الطلاب.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كيف يمكن أن تتحول الجامعة، التي يفترض أن تكون مساحة محايدة للتعلم، إلى إحدى ساحات الخلاف السياسي بين دولتين؟
والأشد إيلاماً أن آثار القرار لا تتوزع بالتساوي. فالطالب الأفغاني قد يتمكن نظرياً من البحث عن بديل في دولة أخرى، أما الطالبة الأفغانية التي تعاد إلى بلد لا تستطيع فيه الالتحاق بالتعليم الجامعي، فقد تجد نفسها أمام انسداد كامل لمسارها الأكاديمي.
وهذا تحديداً ما جعل من القضية مسألة حقوق تعليمية تتجاوز حدود الخلاف الأفغاني-الباكستاني.
حقوق التعليم أمام اختبار السياسة
منظمة لجنة حقوق الانسان وصفت القرار بأنه يهدد تعليم الطلاب الأفغان وسلامتهم، وركزت بصورة خاصة على الطالبات.
كما تصاعدت داخل باكستان نفسها دعوات إلى إعادة النظر في القرار، في وقت طالبت فيه جهات وشخصيات سياسية ومدنية بالسماح للطلاب بإكمال دراستهم.
ولا يتعلق الأمر هنا بمنح الطلاب امتيازاً خاصاً، بقدر ما يتعلق بمبدأ بسيط: ألا يتحول التعليم إلى أداة للعقاب السياسي الجماعي.
فإذا كانت لدى السلطات الباكستانية خلافات مع حكومة طالبان، فإن تحميل طلاب الطب تبعات هذه الخلافات يضع التعليم في مواجهة السياسة، ويجعل الطلاب الحلقة الأضعف في نزاع لا يملكون قراراً فيه.
كما أن حجة أن الطلاب يستطيعون ببساطة العودة إلى أفغانستان تتجاهل واقعاً أساسياً: بالنسبة إلى الطالبات، العودة لا تعني الانتقال من جامعة إلى أخرى، بل قد تعني فقدان الحق في مواصلة التعليم الجامعي من أساسه.
أين ملاله يوسفزاي؟
وسط هذه التطورات، يبرز سؤال آخر يتعلق بملاله يوسفزاي، الناشطة الباكستانية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، والتي جعلت من حق الفتيات في التعليم محوراً رئيسياً لنشاطها الدولي.
لا يبدو السؤال هنا متعلقاً بمطالبة ملالا بتأييد طرف سياسي ضد آخر، ولا بإعفائها من حقها في اتخاذ مواقف مستقلة؛ بل يتعلق باتساق المبدأ الذي تدافع عنه: هل الحق في التعليم حق شامل، أم أنه يصبح أكثر حضوراً عندما يكون انتهاكه منسوباً إلى خصم سياسي؟
فملالة واصلت خلال عام 2026 الحديث عن وضع النساء والفتيات في أفغانستان، وفي أغسطس/آب الماضي دعت، خلال فعالية في جنوب أفريقيا، إلى التضامن مع النساء والفتيات الأفغانيات، وواصلت مؤسسة ملالا حملتها ضد ما تسميه "الفصل العنصري القائم على النوع الاجتماعي" في أفغانستان.
كما أن موقفها من منع طالبان النساء من الالتحاق بالجامعات معروف منذ سنوات، إذ أدانت مؤسسة ملالا القرار الذي صدر في ديسمبر/كانون الأول 2022، معتبرة أن حرمان النساء من الجامعة يمثل انتهاكاً أساسياً لحقوقهن.
لكن التطور الجديد في باكستان يضع هذا الخطاب أمام اختبار مختلف.
فاليوم، لا يتعلق الأمر بقرار صادر عن طالبان، وإنما بإجراء اتخذته دولة تستضيف هؤلاء الطلاب. ولا يتعلق الأمر بفتح الجامعات أمام النساء، وإنما بمنع طالبات أفغانيات موجودات بالفعل في مسار جامعي من إكمال دراستهن.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان صوت ملالة مطلوباً عندما تُحرم الفتاة الأفغانية من التعليم في كابل، ألا يكون مطلوباً أيضاً عندما يهدد قرار صادر في إسلام آباد تعليمها؟
والد ملالة يتحدث.. والابنة لم تعلن موقفاً
ازدادت التساؤلات بعد أن أعلن ضياء الدين يوسفزاي، والد ملالة، موقفاً علنياً من القضية، داعياً إلى عدم إجبار الطالبات الأفغانيات على العودة إلى واقع يحرمهن من التعليم والحرية. وقد نشر موقفه علناً في 8 سبتمبر/أيلول.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: عدم العثور على تصريح علني لملالة بشأن القرار في الأيام الأولى لا يثبت بالضرورة أنها تؤيد السياسة الباكستانية أو أنها تتعمد الصمت لأسباب سياسية. كما لا يكفي غياب موقف سريع لإثبات وجود تنسيق بينها وبين أي مؤسسة حكومية أو استخباراتية.
لكن هذا لا يلغي أهمية السؤال السياسي والأخلاقي الذي تطرحه القضية.
فالناشط الحقوقي لا يُختبر فقط عندما يكون انتقاد الانتهاك متوافقاً مع مواقفه السياسية، وإنما أيضاً عندما يقع الانتهاك في مساحة أكثر تعقيداً، أو عندما يكون مرتكبه طرفاً أقرب إلى بيئته السياسية أو الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن القضية تضع ملالا أمام فرصة لإيضاح موقف مبدئي: هل ينبغي السماح للطلاب الأفغان، وخاصة الطالبات، بإكمال تعليمهم الطبي في باكستان حتى التخرج، بصرف النظر عن الخلاف بين الحكومتين؟
هل يمكن فصل التعليم عن الصراع الأفغاني-الباكستاني؟
من الصعب النظر إلى القرار بمعزل عن مسار العلاقات بين كابل وإسلام آباد. فقد أصبحت ملفات الحدود والأمن واللاجئين والتجارة والترحيل والتعليم مترابطة بصورة متزايدة، وكل أزمة جديدة بين البلدين تنعكس على حياة المواطنين والطلاب والتجار واللاجئين.
لكن إدخال التعليم في هذه المعادلة يحمل مخاطر تتجاوز الخلاف السياسي الآني.
فباكستان كانت، لعقود، واحدة من الوجهات التعليمية المهمة للأفغان، ولا سيما في مجالات الطب والهندسة والعلوم. وإذا أصبح وجود الطالب الأفغاني في الجامعة مرتبطاً بمستوى العلاقات السياسية بين البلدين، فإن مستقبل التعليم نفسه يصبح رهينة للتقلبات الدبلوماسية.
وهذا يفتح الباب أمام سؤال أوسع: هل ينبغي للدول أن تستخدم التعليم وسيلة ضغط في النزاعات السياسية؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن حماية الطلاب ينبغي أن تكون مبدأ ثابتاً، لا موقفاً يتغير بتغير الحكومات.
بين كابل وإسلام آباد.. الطالب هو الحلقة الأضعف
لا شك أن سياسات طالبان تجاه تعليم النساء تمثل مشكلة جوهرية لا يمكن تجاهلها. حرمان النساء من التعليم الجامعي حوّل أي فرصة تعليمية خارج البلاد إلى شريان حياة بالنسبة إلى كثير من الطالبات الأفغانيات.
لكن رفض سياسات طالبان لا يبرر بالضرورة التضحية بالطلاب الذين يحاولون الإفلات من آثار تلك السياسات.
بل إن المفارقة تكمن في أن الطالبة التي غادرت أفغانستان لتواصل دراسة الطب قد تكون تحديداً من الفئة التي يفترض أن يحظى تعليمها بأكبر قدر من الدعم الدولي.
فإعادتها إلى أفغانستان لا تعني في حالتها مجرد "العودة إلى الوطن"، وإنما قد تعني العودة إلى واقع لا تستطيع فيه مواصلة المسار الذي بدأته.
ولهذا فإن معالجة القضية ينبغي ألا تكون جزءاً من الاستقطاب بين طالبان وخصومها، بل قضية مستقلة عنوانها: حماية حق الطالب في إكمال تعليمه.
اختبار حقيقي لخطاب حقوق الإنسان
تكشف هذه القضية شيئاً أعمق من الخلاف حول قرار إداري باكستاني. إنها تختبر خطاب حقوق الإنسان نفسه، وتحديداً مدى قدرته على تجاوز الانتقائية السياسية.
فإذا كان منع فتاة أفغانية من الدراسة جريمة عندما يصدر عن طالبان، فإن حرمانها من إكمال دراستها بسبب قرار صادر في دولة أخرى يستحق أيضاً الإدانة والمساءلة، حتى لو كانت الدولة المعنية حليفاً سياسياً أو حتى لو كان الخلاف معها أكثر تعقيداً.
وهنا لا يتعلق الأمر بملالة وحدها. فالمسؤولية تقع كذلك على المنظمات الدولية، والمؤسسات التعليمية، والحكومات التي تعلن دعمها لتعليم الفتيات الأفغانيات.
إن الدفاع عن التعليم لا يكتمل بإدانة الجهة التي تغلق باب الجامعة، بل يتطلب أيضاً الدفاع عن الطالبة عندما يُغلق الباب أمامها في مكان آخر.
السؤال الذي لا يمكن تجاهله
قد يكون من المبكر الحكم على موقف ملالة النهائي من قرار طرد الطلاب الأفغان، وربما تعلن لاحقاً موقفاً واضحاً منه. لكن حتى ذلك الحين، يبقى السؤال قائماً:
هل الحق في التعليم مبدأ عالمي لا يتغير بتغير هوية الطرف الذي ينتهكه، أم يتحول أحياناً إلى أداة في الصراع السياسي؟
إن السماح للطلاب الأفغان بإكمال دراستهم الطبية لا يعني تأييد طالبان، كما أن انتقاد القرار الباكستاني لا يعني تبني سياسات كابل.
المسألة أبسط وأعمق من ذلك: هناك طلاب بدأوا دراسة الطب، بينهم طالبات، ويريدون إكمالها. وفي الوقت الذي لا تستطيع فيه الطالبات العودة إلى التعليم الجامعي داخل أفغانستان، فإن حرمانهن من فرصتهن الأخيرة خارج البلاد يضع مستقبلهن أمام خطر حقيقي.
ولهذا، فإن أفضل استجابة لا تكون بتبادل الاتهامات بين كابل وإسلام آباد، ولا بتحويل ملالة يوسفزاي إلى طرف في هذا الصراع، بل بوضع سؤال واحد في مركز النقاش: كيف يمكن حماية حق هؤلاء الطلاب في إكمال تعليمهم؟
فالتعليم الذي يتحول إلى رهينة للخلافات السياسية يفقد جوهره الإنساني، والحقوق التي تُدافع عنها انتقائياً تفقد جزءاً من قوتها الأخلاقية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: "أين ملالة؟"، بل: أين يقف العالم عندما تصبح طالبة الطب الأفغانية عالقة بين بلد يمنعها من الدراسة وبلد يطلب منها مغادرة جامعتها؟

