بين السقف الاستراتيجي الأعلى وخيار إدارة الخلاف
لم يعد الخلاف بين أفغانستان وباكستان مجرد نزاع حدودي قديم أو أزمة أمنية مرتبطة بحركة طالبان باكستان، بل تحول خلال السنوات الخمس الماضية إلى صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه الحدود والسيادة والأمن والمياه والعلاقات مع الهند، وصولاً إلى مستقبل النظام السياسي في كابل.
ومع دخول علاقة الجارين مرحلة غير مسبوقة من التوتر والمواجهة، يبرز سؤال يتجاوز أسباب الاشتباكات الحدودية: ماذا تريد باكستان من طالبان بعد خمسة أعوام من عودتهم إلى الحكم؟
يرى وزير الداخلية والخارجية الأفغاني الأسبق محمد عمر داودزي أن إسلام آباد لا تتحرك وفق قائمة ثابتة من المطالب، وإنما وفق مستويين يمكن وصفهما بـالسقف الاستراتيجي الأعلى والسقف الاستراتيجي الأدنى.
وبحسب هذه القراءة، يضم السقف الأعلى أهدافاً تريد باكستان تحقيقها إذا توافرت ظروف سياسية وأمنية وإقليمية مناسبة، بينما يمثل السقف الأدنى أهدافاً مرحلية يمكن التفاوض بشأنها وإدارتها من دون حسم الملفات الكبرى.
وتأتي هذه الرؤية في وقت وصلت فيه العلاقات بين البلدين إلى واحدة من أسوأ مراحلها منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، في ظل تصاعد المواجهات الحدودية والاتهامات الباكستانية لكابل بالسماح لحركة طالبان باكستان باستخدام الأراضي الأفغانية، وهي اتهامات تنفيها حكومة طالبان.
ديورند.. من إدارة الحدود إلى الاعتراف
يتصدر خط ديورند، وفق داودزي، السقف الاستراتيجي الأعلى للمطالب الباكستانية. فالخط الذي رسم في أواخر القرن التاسع عشر لا يزال العقدة الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين.
تتعامل باكستان مع خط ديورند باعتباره حدوداً دولية قائمة، بينما ظلت الحكومات الأفغانية المتعاقبة ترفض الاعتراف به بوصفه حدوداً دولية نهائية.
لكن الخلاف، وفق قراءة داودزي، لا يتعلق بالحدود وحدها، بل بما تعتبره باكستان عمقها الأمني والاستراتيجي في أفغانستان. ويعتقد أن إسلام آباد تريد أيضاً التأثير في طبيعة العلاقات الأفغانية الهندية، لأن التقارب بين كابل ونيودلهي ظل أحد مصادر القلق الرئيسية للمؤسسة الأمنية الباكستانية.
وهكذا يرتبط ملف ديورند بحسابات أوسع تتعلق بموقع أفغانستان في التنافس الهندي الباكستاني، وليس فقط بمسألة ترسيم الحدود.
المياه.. هاجس أمني متصاعد
يدخل ملف المياه أيضاً ضمن القضايا التي يضعها داودزي في السقف الأعلى للمطالب الباكستانية، مشيراً بصورة خاصة إلى نهر كنر شرقي أفغانستان.
وتنبع حساسية هذا الملف من خشية إسلام آباد من إقامة مشاريع مائية أفغانية يمكن أن تؤثر مستقبلاً في تدفقات المياه نحو الأراضي الباكستانية.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود سياسة باكستانية معلنة لمنع جميع المشاريع المائية الأفغانية، لكن إدخال المياه في الحسابات الأمنية يعكس، وفق داودزي، توسع مفهوم الأمن لدى إسلام آباد ليشمل الموارد والبنية التحتية داخل الأراضي الأفغانية.
ومن هنا تتحول المياه إلى جزء من معادلة أوسع: ضمان الأمن الباكستاني لا يقتصر على منع الهجمات المسلحة، بل يشمل أيضاً منع نشوء مصادر ضغط مستقبلية على الحدود.
واخان.. ممر صغير بقيمة جيوسياسية كبيرة
أكثر النقاط إثارة للجدل في رواية داودزي هي إدخال ممر واخان ضمن السقف الاستراتيجي الأعلى للمطالب الباكستانية.
ويقول المسؤول الأفغاني السابق إن هناك، وفق معلوماته، توجهاً للمطالبة بإلغاء وضع واخان باعتباره جزءاً من الأراضي الأفغانية، مستنداً -بحسب روايته- إلى تفسيرات تاريخية للحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية في المنطقة.
ولا يقدم داودزي دليلاً علنياً على وجود موقف باكستاني رسمي معلن بهذا الشأن، ولذلك تبقى هذه النقطة في إطار التقدير السياسي الذي يحتاج إلى تأكيد مستقل.
لكن أهمية واخان الجيوسياسية واضحة. فهذا الممر الضيق في شمال شرق أفغانستان يمثل منفذها البري المباشر نحو الصين، ويمكن أن يتحول، إذا اكتملت مشروعات الطرق والربط، إلى أحد البدائل أمام كابل لتنويع طرق تجارتها وتقليل اعتمادها على الأراضي والمنافذ الباكستانية.
كما أن تطوير الممر يهم الصين، وإن كانت بكين تتعامل معه بحذر، خصوصاً بسبب الاعتبارات الأمنية المرتبطة بالحدود الغربية الصينية.
لذلك لا يمثل واخان مجرد طريق تجاري محتمل، بل يمكن أن يصبح ورقة في إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي بين أفغانستان وباكستان والصين.
حزام أمني داخل أفغانستان؟
أما أكثر مطالب داودزي حساسية، فيتعلق بما يقول إنه تصور باكستاني لإقامة حزام أمني داخل الأراضي الأفغانية، على غرار الترتيبات التي عرفتها المناطق القبلية الحدودية خلال مراحل سابقة.
ويتحدث داودزي عن نحو 80 مديرية، ويقول إن هذه المسألة كانت معروفة لدى الحكومة الأفغانية السابقة، وإن الهدف منها إنشاء منطقة عازلة في الجانب الأفغاني من الحدود للحد من التهديدات المسلحة القادمة من المناطق الحدودية.
ويستند في تفسيره إلى تاريخ المنطقة القبلية التي كانت تتمتع بوضع خاص خلال الحقبة البريطانية، حيث مثلت، وفق قراءته، منطقة عازلة بين أفغانستان والهند البريطانية.
غير أن هذا الطرح يظل من أكثر أجزاء الرواية حاجة إلى التحقق، إذ لا توجد وثيقة باكستانية معلنة تثبت وجود خطة بهذا الحجم داخل الأراضي الأفغانية.
لكن مجرد طرح الفكرة يكشف عن اتساع الخلاف حول مفهوم الأمن: فبينما تريد إسلام آباد ضمانات تمنع الهجمات من الأراضي الأفغانية، قد ترى كابل في أي ترتيبات تتجاوز الحدود تدخلاً في سيادتها.
السقف الأعلى أم إدارة الخلاف؟
يقول داودزي إن الفرق بين السقفين لا يتعلق بالأهداف فقط، بل بطريقة التعامل معها.
فعندما تكون الظروف مواتية، يمكن أن ترفع باكستان سقف مطالبها لتشمل ملفات مثل الاعتراف بديورند أو ترتيبات أمنية أوسع أو التأثير في الخيارات السياسية والخارجية لأفغانستان.
أما في الظروف الأقل ملاءمة، فتنتقل إلى مستوى أدنى يقوم على إدارة الخلاف بدلاً من حسمه.
وفي ملف ديورند، يعني ذلك الانتقال من المطالبة بالاعتراف الرسمي إلى إدارة الحدود القائمة.
وفي واخان، قد تتحول المطالبة القصوى إلى السعي للحصول على طريق أو منفذ تجاري عبر الممر.
وفي العلاقة مع الهند، يمكن أن تتراجع المطالبة بتقييد العلاقات السياسية إلى محاولة التأثير في حركة التجارة ومسارات الاستيراد.
ويعتقد داودزي أن هذا المستوى الأدنى كان أقرب إلى السياسة الباكستانية خلال فترة الحكومة الجمهورية، بينما أصبح السقف أعلى في المرحلة الحالية.
لماذا تصاعد الخلاف؟
يصعب فصل ارتفاع سقف المطالب، وفق هذه القراءة، عن التدهور الكبير في العلاقات منذ عودة طالبان إلى الحكم.
فقد كانت إسلام آباد من أوائل الدول التي راهنت على أن وصول طالبان سيؤدي إلى علاقة أكثر تعاوناً على حدودها الغربية. لكن هذا الرهان اصطدم سريعاً بملف طالبان باكستان.
وتتهم إسلام آباد الحركة باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضدها، وتطالب طالبان باتخاذ إجراءات حاسمة ضدها، بينما تنفي كابل السماح باستخدام أراضيها لتهديد باكستان.
وأصبح الملف الأمني أساس المطالب الباكستانية المعلنة، إذ تؤكد إسلام آباد أن أي تسوية مع كابل يجب أن تتضمن التزاماً واضحاً بمنع استخدام الأراضي الأفغانية ضدها.
لكن استمرار المواجهات جعل الأزمة تتجاوز طالبان باكستان إلى الحدود نفسها والتجارة والمعابر، الأمر الذي عمّق انعدام الثقة بين الطرفين.
تغيير القيادة أم النظام؟
ينقل داودزي الصراع إلى مستوى أكثر حساسية عندما يتحدث عن مستقبل النظام السياسي الأفغاني.
فهو يعتقد أن تغيير النظام يمكن أن يندرج ضمن السقف الاستراتيجي الأعلى، بينما يمثل تغيير القيادة هدفاً أقل كلفة وأكثر قابلية للتحقيق.
ولا يقدم المسؤول السابق دليلاً علنياً على وجود قرار باكستاني رسمي بهذا الاتجاه، ولذلك ينبغي التعامل مع هذا الطرح باعتباره قراءة سياسية لا حقيقة مثبتة.
لكن الفكرة تكشف عن عمق الخلاف: فإسلام آباد لا تضغط فقط من أجل تغيير سلوك طالبان في الملف الأمني، وإنما -بحسب داودزي- قد تسعى إلى التأثير في طبيعة القيادة التي تدير العلاقة معها.
ومع ذلك، فإن تغيير النظام في أفغانستان يختلف جذرياً عن الضغط على طالبان لتعديل سياساتها، إذ يتطلب بيئة داخلية وإقليمية ودولية معقدة، وقد يؤدي إلى نتائج لا تستطيع باكستان التحكم فيها.
الهند والصين.. حسابات تتجاوز الجارين
لا يمكن فهم السياسة الباكستانية تجاه أفغانستان بعيداً عن الهند. فإسلام آباد تنظر بقلق إلى أي توسع في النفوذ الهندي داخل أفغانستان، بينما ترى كابل أن علاقاتها مع نيودلهي جزء من حقها في تنويع شراكاتها الخارجية.
لكن المشهد لم يعد ثنائياً. فقد أصبحت الصين لاعباً أكثر أهمية، خصوصاً مع تنامي الحديث عن واخان والربط التجاري، فيما تحافظ الهند وروسيا ودول آسيا الوسطى على مصالح وقنوات مختلفة مع أفغانستان.
وهذا التعدد يجعل قدرة باكستان على فرض تصور منفرد لمستقبل أفغانستان أكثر محدودية.
بين التصعيد والتسوية
تكشف قراءة داودزي أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بالسؤال: كيف توقف باكستان هجمات طالبان باكستان؟ بل بسؤال أوسع: أي أفغانستان تريدها إسلام آباد على حدودها؟
أفغانستان تضمن أمن الحدود ولا تسمح باستخدام أراضيها ضد باكستان، أم أفغانستان تكون خياراتها الخارجية والأمنية والجغرافية أكثر انسجاماً مع المصالح الباكستانية؟
بين هذين التصورين يتحرك السقف الاستراتيجي الأعلى والسقف الاستراتيجي الأدنى.
فالأول يسعى، وفق هذه القراءة، إلى إعادة صياغة قواعد العلاقة، بينما يركز الثاني على تحقيق مكاسب تدريجية وإدارة الخلافات من دون الذهاب إلى حسم الملفات الكبرى.
لكن استمرار المواجهة العسكرية قد يجعل الانتقال بين المستويين أكثر صعوبة. وكل جولة تصعيد تعمق الشكوك وتزيد كلفة التسوية.
وفي النهاية، قد يكون التحدي الحقيقي أمام البلدين هو الفصل بين الملفات: الأمن عن الحدود، والمياه عن الصراع السياسي، والتجارة عن العقوبات المتبادلة، وعلاقات أفغانستان الخارجية عن الحسابات الأمنية الباكستانية.

