بعد عقود ارتبط اسم أفغانستان فيها بالحرب والهجمات والدمار، بدأت صورة أخرى تظهر بهدوء في المشهد: سياح أجانب يحملون حقائبهم وكاميراتهم، يعبرون مطار كابل أو الحدود البرية، ويتجهون إلى باميان وبلخ وهرات وبدخشان وبند أمير، بحثًا عن بلد طالما عرفوه من شاشات الأخبار ولم يروه بأعينهم.
قد تبدو الظاهرة متناقضة للوهلة الأولى. فأفغانستان لا تزال خارج خريطة السياحة العالمية التقليدية، وتحذر دول غربية مواطنيها من السفر إليها، كما أن بنيتها السياحية محدودة وخدماتها لا تزال بعيدة عن المعايير التي تجذب السياحة الجماعية. ومع ذلك، تظهر أرقام السنوات الأخيرة ارتفاعًا لافتًا في عدد الزوار الأجانب.
وتقول وزارة الإعلام والثقافة في حكومة طالبان إن نحو عشرة آلاف سائح أجنبي زاروا أفغانستان خلال عام 2025. وكانت أرقام نقلتها وكالة أسوشيتد برس قد أشارت إلى وصول نحو 691 سائحًا أجنبيًا عام 2021، ثم 2300 عام 2022، و7 آلاف عام 2023، و9 آلاف عام 2024.
وبمعزل عن دقة الأرقام واختلاف طرق احتسابها، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا: هناك عدد متزايد من الأجانب يريدون رؤية أفغانستان الجديدة بأنفسهم.
فما الذي يدفع هؤلاء إلى الذهاب إلى بلد لا تزال التحذيرات الأمنية تحيط به؟ وهل نحن أمام بداية تحول أفغانستان إلى وجهة سياحية متخصصة، أم أن الأمر لا يتجاوز سياحة المغامرة والفضول؟ ولماذا تشجع حكومة طالبان هذه الحركة، وما الذي يمكن أن تكسبه منها اقتصاديًا وسياسيًا؟
بلد يقع فوق طبقات من التاريخ
تبدأ جاذبية أفغانستان بالنسبة إلى كثير من الزوار من موقعها الجغرافي والتاريخي.
فهذا البلد الواقع في قلب آسيا لم يكن هامشًا جغرافيًا معزولًا، بل كان على مدى قرون منطقة عبور والتقاء بين حضارات آسيا الوسطى وإيران وشبه القارة الهندية والعالم الإسلامي. مرت عبره طرق التجارة القديمة، وتداخلت فيه الثقافات واللغات والأديان، وتركت الإمبراطوريات المتعاقبة آثارها في مدنه ووديانه وجباله.
ولذلك فإن السائح الذي يصل إلى أفغانستان لا يبحث بالضرورة عن منتجع أو شاطئ أو بنية سياحية تقليدية؛ بل يأتي في كثير من الأحيان بحثًا عن التاريخ نفسه.
في باميان، على سبيل المثال، لا تتوقف التجربة عند موقع تماثيل بوذا اللذين دمرتهما طالبان عام 2001. فالمنطقة المحيطة بالموقع تضم كهوفًا وأديرة وآثارًا ولوحات جدارية وشواهد على مرحلة كانت فيها باميان مركزًا مهمًا للبوذية على امتداد طرق التجارة القديمة.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو المشهد الثقافي لوادي باميان وآثاره الأثرية على قائمة التراث العالمي، بما يعكس القيمة الاستثنائية للمنطقة في تاريخ آسيا.
لكن باميان لا تقدم التاريخ وحده.
فعلى مسافة من آثارها التاريخية تقع بحيرات باند أمير، التي تشكل واحدة من أكثر المناظر الطبيعية شهرة في أفغانستان. مياه زرقاء عميقة تحيط بها جبال هندوكوش، في مشهد يمنح السائح مزيجًا من الطبيعة والرحلة الجبلية والاستكشاف.
وفي بلخ، يجد الزائر نفسه أمام مدينة ارتبط اسمها بتاريخ باكتريا وطريق الحرير والحضارة الإسلامية. أما هرات، فتقدم طبقة أخرى من تاريخ البلاد، من خلال العمارة الإسلامية والتيمورية، وفي مقدمتها المسجد الجامع وقلعة هرات.
وتحمل غزني وكابول ومدن أخرى بدورها آثارًا تاريخية متنوعة، من القلاع والمساجد القديمة إلى الحدائق والأسواق والأحياء التاريخية.
بالنسبة إلى هذا النوع من السياح، لا تكون أفغانستان مجرد بلد يزورونه؛ بل كتابًا مفتوحًا في التاريخ.
هندوكوش.. عندما تصبح الرحلة نفسها جزءًا من الوجهة
لكن التاريخ ليس وحده الذي يفسر عودة السياح.
فأفغانستان بلد جبلي إلى حد كبير، وتنتشر فيه مناطق طبيعية لا تزال بعيدة نسبيًا عن السياحة الدولية. وتشكل جبال هندوكوش وبدخشان وبنجشير ونورستان وغور وكونر، وغيرها، مناطق جذب لمن يبحثون عن الطبيعة والتصوير والمغامرة.
وهنا تختلف السياحة في أفغانستان عن السياحة التقليدية.
فالطريق الجبلي قد يكون جزءًا من التجربة، كما قد تكون القرية التي يتوقف عندها المسافر، أو السوق المحلي، أو الطعام الذي يتناوله في منزل أو مطعم صغير، أهم بالنسبة إليه من زيارة موقع سياحي مصمم خصيصًا للزوار.
وتوفر المناطق الجبلية في البلاد تنوعًا كبيرًا في الطبيعة والحياة المحلية. ففي بدخشان، على سبيل المثال، يجد الزائر عالمًا جبليًا مختلفًا، بينما توفر نورستان وكونر مناظر طبيعية تجمع الجبال والأنهار والغابات.
أما ممر واخان، في أقصى شمال شرق البلاد، فيقدم نموذجًا آخر للسياحة القائمة على الجغرافيا والمغامرة؛ إذ تمتد المنطقة بين جبال شاهقة ومستوطنات نائية، وتضم مجتمعات محلية ذات أنماط حياة وثقافات مختلفة.
هذا النوع من الوجهات يجذب ما يمكن وصفه بـ”السياحة الاستكشافية”، أي المسافرين الذين يبحثون عن أماكن لم تصل إليها السياحة الجماهيرية بعد.
أفغانستان التي لا تظهر على شاشات الأخبار
هناك عامل آخر أكثر تعقيدًا: الفضول.
على مدى أكثر من أربعة عقود، كانت أفغانستان واحدة من أكثر البلدان حضورًا في نشرات الأخبار العالمية. الاحتلال السوفياتي، الحرب الأهلية، صعود طالبان، هجمات 11 سبتمبر/أيلول، الحرب الأميركية، ثم عودة طالبان إلى السلطة عام 2021؛ كل ذلك صنع صورة عالمية لأفغانستان مرتبطة إلى حد كبير بالحرب.
لكن بالنسبة إلى بعض السياح، أصبحت هذه الصورة نفسها سببًا للزيارة.
يريد هؤلاء أن يروا بأعينهم البلد الذي ظلوا يشاهدونه لسنوات من خلال صور القتال والانفجارات واللاجئين والمؤتمرات السياسية. يريدون التجول في كابل، رؤية الأسواق، الحديث مع السكان، تذوق الطعام المحلي، ومشاهدة الحياة اليومية بعيدًا عن نشرات الأخبار.
وهنا تتحول الرحلة من سياحة بالمعنى التقليدي إلى نوع من “السياحة الفضولية”، حيث تصبح التجربة المباشرة هدفًا بحد ذاته.
ويشترك في هذا النوع من السفر السياح وصناع المحتوى والمصورون والرحالة، ما يجعل الحدود بين السياحة والمغامرة والتوثيق الرقمي أكثر ضبابية.
يوتيوب.. نافذة جديدة على أفغانستان
ساعد انتشار منصات الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي على تعزيز هذه الظاهرة.
فالسائح الذي كان في السابق يعود إلى بلده بصور شخصية محدودة، يستطيع اليوم أن ينشر رحلته أمام ملايين المشاهدين. وهكذا أصبحت التجربة الفردية وسيلة غير مباشرة للترويج للوجهة.
برز في هذا السياق عدد من صناع محتوى السفر الذين زاروا أفغانستان بعد عودة طالبان إلى الحكم، وحظيت فيديوهاتهم باهتمام واسع.
ومن بينهم صانع المحتوى بنجامين ريتش، المعروف باسم “Bald and Bankrupt”، الذي زار أفغانستان عام 2022، وحظيت تسجيلاته عن الرحلة بمشاهدات كبيرة.
كما جذبت رحلة صانع المحتوى مايك أوكاي إلى أفغانستان عام 2025 اهتمامًا واسعًا، وحصد أحد مقاطع رحلته ملايين المشاهدات.
ولا تكمن أهمية هذه الفيديوهات في أعداد المشاهدات فقط، وإنما في قدرتها على تقديم أفغانستان بصورة مختلفة عن التغطية الإخبارية التقليدية.
فالكاميرا تنتقل من ساحات المعارك إلى الشوارع والأسواق والمطاعم والجبال والقرى، وتقدم للمشاهد حياة يومية لا تظهر عادة في التقارير السياسية.
لكن هذه الصورة تحتاج إلى قدر من الحذر.
فصانع المحتوى يسافر بهدف إنتاج مادة جذابة لجمهوره، وقد يركز بالضرورة على العناصر الاستثنائية والمغامرة والمفاجأة. ولذلك لا يمكن اعتبار تجربة مدون أو سائح واحد دليلًا على أن أفغانستان أصبحت بلدًا آمنًا للسياحة بصورة عامة.
الطعام والضيافة.. سياحة لا تقاس بالأرقام
ثمة عامل آخر يصعب قياسه بالأرقام: تجربة المجتمع المحلي.
فجزء مهم من جاذبية أفغانستان بالنسبة إلى المسافرين يكمن في الطعام والضيافة والعادات المحلية.
الكبلي بالاو، الكباب، الخبز الطازج، الشاي الأخضر، الفواكه المجففة والمكسرات، إلى جانب الأطعمة المحلية المختلفة، تتحول في ذاكرة الزائر إلى جزء من الرحلة نفسها.
والأهم من الطعام هو العلاقة مع السكان.
فالسائح الذي يجلس إلى مائدة عائلة محلية أو يتوقف في قرية جبلية أو يتبادل الحديث مع أصحاب متجر صغير، يحمل معه تجربة إنسانية يصعب اختزالها في زيارة موقع أثري.
وهنا تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا إضافيًا؛ إذ يمكن لتجربة شخصية إيجابية أن تتحول إلى توصية غير مباشرة لآلاف الأشخاص.
بهذا المعنى، لا تتشكل السياحة الأفغانية فقط عبر الحملات الرسمية، وإنما أيضًا عبر “سياحة من سائح إلى سائح”.
لماذا تشجع طالبان السياحة؟
بالنسبة إلى حكومة طالبان، لا تبدو السياحة مجرد ملف ثقافي.
هناك أولًا البعد الاقتصادي.
السائح الأجنبي ينفق على الفنادق ووسائل النقل والمطاعم والمرشدين والمتاجر والحرف اليدوية، وهو ما يعني دخول عملات أجنبية إلى اقتصاد يعاني من قيود مالية وعزلة مصرفية واستثمارات خارجية محدودة.
كما يمكن للسياحة أن توفر فرص عمل في قطاعات متعددة، من الإرشاد والنقل إلى الضيافة والحرف اليدوية.
وتشير الحكومة إلى السياحة باعتبارها مجالًا يمكن تطويره وتوسيعه، وتتحدث وزارة الإعلام والثقافة عن تدريب العاملين في القطاع السياحي والفندقي والترويج للمواقع التاريخية والطبيعية.
لكن هناك بعدًا سياسيًا لا يقل أهمية.
فكل سائح أجنبي يعود من أفغانستان وينشر صورًا عن الأسواق أو الجبال أو المواقع التاريخية أو الحياة اليومية، يساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج سردية مختلفة عن البلد.
وهذه نقطة مهمة بالنسبة إلى طالبان التي تسعى منذ عودتها إلى السلطة إلى تقديم نفسها باعتبارها سلطة أعادت الأمن والاستقرار إلى البلاد، في مقابل الصورة التي ظلت مرتبطة بها بالحرب خلال العقود الماضية.
لذلك يمكن النظر إلى السياحة باعتبارها أحد أدوات “القوة الناعمة” المحدودة التي يمكن أن تستخدمها الحكومة لتحسين صورة البلاد خارجيًا.
غير أن هذا المسار يحمل مفارقة واضحة: فالسياح الذين ينقلون صورة مختلفة عن أفغانستان قد يساهمون أيضًا في لفت الانتباه إلى القضايا التي تنتقد بسببها طالبان، بما فيها القيود المفروضة على النساء والفتيات والحريات العامة.
ومن ثم فإن السياحة ليست مجرد أداة دعائية يمكن التحكم بها بالكامل؛ فهي تتيح أيضًا للزائر أن يرى الواقع الأفغاني على نحو مباشر.
هل هي سياحة آمنة؟
ارتفاع عدد الزوار لا يعني أن أفغانستان أصبحت وجهة سياحية آمنة بالمعايير الدولية.
فالبلد لا يزال يواجه تحديات أمنية، كما أن البنية التحتية السياحية محدودة، ووسائل النقل بين المناطق صعبة في بعض الأحيان، والخدمات الفندقية والإرشادية ليست متطورة بما يكفي لاستقبال أعداد كبيرة من السياح.
كما أن التحذيرات الرسمية الصادرة عن عدد من الحكومات الأجنبية تمثل عائقًا رئيسيًا أمام نمو السياحة الجماعية.
ولهذا فإن الزائر الذي يصل إلى أفغانستان اليوم غالبًا ما ينتمي إلى فئة محددة: الرحالة، والمغامرون، والمصورون، وصناع المحتوى، والباحثون عن الوجهات غير التقليدية، وليس السائح التقليدي الذي يبحث عن عطلة قصيرة وخدمات سياحية متكاملة.
وهذه نقطة جوهرية لفهم الأرقام.
فالزيادة الحالية، مهما كانت ملحوظة، لا تعني أن أفغانستان تنافس الوجهات السياحية الكبرى في آسيا، بل تشير إلى تشكل سوق سياحية صغيرة ومتخصصة.
من سياحة المغامرة إلى صناعة سياحية؟
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هناك سياح يزورون أفغانستان؛ فهذا أصبح واقعًا، وإنما هل تستطيع البلاد تحويل هذه الزيارات المحدودة إلى صناعة مستدامة؟
الإجابة تتوقف على عوامل تتجاوز عدد الزوار.
فالسياحة تحتاج إلى أمن مستقر، وطرق ومطارات، وفنادق، وخدمات مصرفية، ومرشدين مدربين، وأنظمة واضحة للتأشيرات، وحماية للمواقع الأثرية، وخدمات طبية واتصالات، وقبل ذلك كله بيئة سياسية تسمح للسائح بالشعور بالأمان.
كما أن السياحة المستدامة تتطلب حماية المجتمعات المحلية والمواقع الطبيعية والأثرية من الاستغلال التجاري المفرط.
أفغانستان تمتلك عناصر الجذب الأساسية: التاريخ، الطبيعة، التنوع الثقافي، الجغرافيا الجبلية، والموقع على طرق الحضارات القديمة.
لكن امتلاك هذه المقومات لا يعني تلقائيًا القدرة على تحويلها إلى قطاع اقتصادي ناجح.
فرصة اقتصادية وصراع على الصورة
ربما يكون من المبكر الحديث عن “طفرة سياحية” في أفغانستان، لكن من الصعب تجاهل التحول الذي تعكسه زيادة عدد الزوار الأجانب.
فأفغانستان التي عرفها العالم لعقود من خلال الحرب بدأت تظهر، ولو بصورة محدودة، على منصات السفر والمغامرة والطبيعة.
وهذه الظاهرة تكشف مفارقة أعمق: فالعوامل التي جعلت أفغانستان بلدًا خطيرًا في الوعي العالمي هي نفسها التي تجعلها مثيرة لفضول بعض المسافرين.
جبالها النائية، تاريخها المضطرب، مدنها القديمة، المجتمعات التقليدية، وصورتها الغامضة؛ كلها تحولت إلى عناصر جذب بالنسبة إلى فئة تبحث عن تجربة لا توفرها الوجهات السياحية التقليدية.
لكن مستقبل السياحة الأفغانية سيبقى مرهونًا بما هو أبعد من رغبة السياح في المغامرة.
فإذا نجحت أفغانستان في تحقيق استقرار طويل الأمد، وتطوير البنية التحتية، وحماية تراثها الطبيعي والثقافي، وتحسين الخدمات، فقد تتحول السياحة من ظاهرة هامشية إلى قطاع اقتصادي واعد.
أما في ظل استمرار القيود السياسية والمخاوف الأمنية وضعف البنية السياحية، فستظل أفغانستان على الأرجح وجهة محدودة لسياحة المغامرة والاستكشاف.
وفي الحالتين، فإن ظاهرة السياح الأجانب تحمل دلالة تتجاوز أعدادهم: أفغانستان بدأت تستعيد، ولو ببطء، مكانها كموضوع للرحلة لا كموضوع للحرب فقط.
وهذا التحول الصغير في طريقة رؤية العالم لأفغانستان قد يكون، بحد ذاته، أحد أهم مؤشرات المرحلة الجديدة.

