منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان في أغسطس/آب 2021، تبنى الاتحاد الأوروبي سياسة تقوم على معادلة دقيقة: عدم الاعتراف الرسمي بحكومة طالبان، مع الإبقاء على قنوات اتصال عملية معها. ويعكس هذا النهج محاولة للتوفيق بين اعتبارات متباينة، تتراوح بين الالتزام الأوروبي بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والحاجة إلى التعامل مع واقع سياسي تسيطر فيه طالبان على مؤسسات الدولة ومعظم أراضي البلاد.
ولا يمكن فهم الموقف الأوروبي تجاه طالبان بمعزل عن التجربة التاريخية والسياسية للقارة. فقد أسهمت الحروب الكبرى التي شهدتها أوروبا خلال القرن العشرين في ترسيخ منظومة سياسية تقوم على التعاون الدولي، وحقوق الإنسان، والحوار، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. وفي العقود الأخيرة، ارتبطت الدول الأوروبية بصورة وثيقة بالولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وكان لها حضور عسكري وسياسي واسع في أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
لكن المشاركة الأوروبية في أفغانستان لم تقتصر على العمليات العسكرية. فقد انخرطت دول أوروبية، إلى جانب مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في دعم بناء مؤسسات الدولة، وتنظيم الانتخابات، وتعزيز المجتمع المدني، وتطوير الإعلام، ودعم حقوق الإنسان والمرأة. ولذلك فإن سقوط النظام الجمهوري وانسحاب القوات الأجنبية لم ينهيا الاهتمام الأوروبي بأفغانستان، بل نقلا هذا الاهتمام إلى أدوات أخرى، أبرزها المساعدات الإنسانية، والدبلوماسية، والدعم الاقتصادي، ومتابعة ملفات الأمن والهجرة وحقوق الإنسان.
انخراط عملي بلا اعتراف
يشكل الفصل بين الاعتراف السياسي والانخراط العملي مفتاحاً لفهم السياسة الأوروبية تجاه طالبان.
فالاتحاد الأوروبي لا يعترف رسمياً بحكومة طالبان، ولا يعتبر التواصل معها تعبيراً عن قبول نظامها السياسي أو سياساتها الداخلية. لكنه في الوقت نفسه يرى أن تجاهل الحركة، وهي السلطة الفعلية في أفغانستان، سيحد من قدرته على التعامل مع ملفات لا يمكن إدارتها من الخارج.
ولهذا أبقى الاتحاد الأوروبي على قنوات اتصال مع طالبان، خصوصاً في القضايا الإنسانية والأمنية والسياسية. ويتيح هذا النهج للأوروبيين التواصل مع السلطات الفعلية في البلاد من دون الانتقال إلى مرحلة الاعتراف الرسمي.
وفي المقابل، تستفيد طالبان من هذا التواصل، إذ يمنحها مساحة دبلوماسية أكبر ويخفف جزئياً من آثار العزلة الدولية المفروضة عليها، حتى وإن لم يؤد ذلك إلى اعتراف رسمي بشرعيتها.
المساعدات الإنسانية.. ضرورة تتجاوز الحسابات السياسية
تُعد الأزمة الإنسانية والاقتصادية أحد أهم أسباب استمرار التواصل الأوروبي مع أفغانستان. فملايين الأفغان يعتمدون على المساعدات الإنسانية، في وقت تواجه فيه البلاد مستويات مرتفعة من الفقر والبطالة وضعف الخدمات الأساسية.
ويمثل الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية جهات رئيسية في تمويل المساعدات الإنسانية والتنموية. غير أن إيصال هذه المساعدات إلى المستفيدين يتطلب، بدرجات متفاوتة، التعامل مع السلطات المحلية التي تسيطر على المعابر والمؤسسات والمناطق المختلفة.
ولا يعني ذلك أن أوروبا تتجاهل المخاطر المرتبطة بطريقة إدارة المساعدات أو القيود التي تفرضها طالبان على عمل المنظمات الإنسانية، ولا سيما القيود المفروضة على مشاركة النساء في العمل الإنساني. بل إن هذه القضايا نفسها أصبحت جزءاً من الحوار والضغط الأوروبي على الحركة.
ومن ثم، فإن التواصل مع طالبان في هذا المجال يمثل في جانب منه ضرورة إنسانية وعملية أكثر من كونه خياراً سياسياً.
الأمن ومكافحة الإرهاب
يمثل الأمن أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين أوروبا وطالبان. فأفغانستان لا تُنظر إليها في الحسابات الأوروبية باعتبارها شأناً داخلياً صرفاً، نظراً إلى موقعها الجغرافي وإمكان تأثير التطورات الأمنية فيها على آسيا الوسطى والدول المجاورة، ومن ثم على الأمن الدولي.
ويثير وجود جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية في أفغانستان مخاوف أوروبية ودولية، خصوصاً في حال امتلاكها القدرة أو النية لتنفيذ عمليات خارج الأراضي الأفغانية. ولذلك تحتاج الدول الأوروبية إلى قنوات تواصل مع السلطة القائمة في كابل لتقييم المخاطر الأمنية وتبادل المعلومات ومحاولة منع استخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لأنشطة تهدد الأمن الإقليمي أو الدولي.
وهنا يظهر أحد أبرز أوجه التناقض في السياسة الأوروبية: فالحوار مع طالبان لا يعني بالضرورة الثقة بها، لكنه يوفر قناة للتعامل مع المخاطر الأمنية التي لا تستطيع أوروبا تجاهلها.
الهجرة.. ملف أوروبي حساس
تحتل الهجرة موقعاً مهماً في الحسابات الأوروبية تجاه أفغانستان. فاستمرار الأزمة الاقتصادية والسياسية قد يدفع مزيداً من الأفغان إلى مغادرة البلاد، سواء باتجاه دول الجوار أو عبر طرق الهجرة نحو أوروبا.
وتولي الحكومات الأوروبية اهتماماً متزايداً بإدارة تدفقات الهجرة، ومكافحة شبكات التهريب، والتعامل مع قضايا طالبي اللجوء الذين تُرفض طلباتهم. وهذه الملفات تجعل التواصل مع السلطات الفعلية في أفغانستان أمراً ذا أهمية عملية بالنسبة إلى بعض الدول الأوروبية.
لكن ملف الهجرة يحمل أيضاً بعداً سياسياً داخلياً، إذ أصبحت قضايا اللجوء والهجرة غير النظامية من الملفات الحساسة في عدد من المجتمعات الأوروبية، الأمر الذي يجعل السياسة تجاه أفغانستان مرتبطة، بصورة غير مباشرة، بالنقاشات السياسية الداخلية في أوروبا.
الحفاظ على القدرة على التأثير
لا يتعلق الانخراط الأوروبي بطالبان فقط بإدارة الأزمات الحالية، بل يرتبط أيضاً بمحاولة الحفاظ على القدرة على التأثير في مستقبل أفغانستان.
فالابتعاد الكامل عن طالبان قد يؤدي، من وجهة النظر الأوروبية، إلى خسارة قنوات التواصل والقدرة على طرح قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة والحريات السياسية والشمول السياسي ومكافحة الإرهاب.
ومن هنا، تفضل أوروبا الإبقاء على حد أدنى من التواصل يمكنها من نقل رسائلها ومطالبها وممارسة قدر من الضغط، بدلاً من الانسحاب الكامل وترك الساحة لقوى دولية وإقليمية أخرى.
خشية الفراغ الدبلوماسي
يضاف إلى ذلك بُعد جيوسياسي يتمثل في رغبة أوروبا في تجنب ترك الساحة الأفغانية بالكامل لقوى أخرى. فقد ازداد اهتمام عدد من الدول الإقليمية والدولية بالتواصل مع طالبان، بدرجات متفاوتة، بحثاً عن مصالح أمنية أو اقتصادية أو استراتيجية.
وفي ظل هذا التنافس، فإن الانسحاب الدبلوماسي الكامل قد يقلص قدرة أوروبا على التأثير في التطورات الأفغانية. لذلك تحاول المؤسسات الأوروبية الحفاظ على حضور سياسي وإنساني يسمح لها بمتابعة التطورات والتواصل مع مختلف الأطراف الأفغانية، بما في ذلك الجهات المدنية والسياسية خارج إطار طالبان.
بين القيم والمصالح
ربما تكمن أصعب معضلات السياسة الأوروبية في التناقض بين القيم والمصالح
فالاتحاد الأوروبي يعلن بوضوح رفضه للقيود المفروضة على النساء والفتيات، ويدعو إلى احترام حقوق الإنسان وتشكيل نظام سياسي أكثر شمولاً. وفي المقابل، تفرض اعتبارات الأمن والهجرة والمساعدات الإنسانية واقعاً يجعل قطع التواصل مع طالبان خياراً مكلفاً.
لذلك لا تبدو السياسة الأوروبية تجاه طالبان ثابتة على أحد طرفي المعادلة؛ فهي ليست اعترافاً بالحركة، وليست أيضاً عزلة كاملة لها. إنها محاولة لإدارة العلاقة من خلال ما يمكن وصفه بـالانخراط المشروط والعملي دون اعتراف سياسي.
خلاصة
يعكس تفاعل الاتحاد الأوروبي مع طالبان واقعاً معقداً فرضته عودة الحركة إلى السلطة وانتهاء الوجود العسكري الغربي في أفغانستان. فأوروبا لا تريد منح طالبان شرعية سياسية من دون تحقيق شروط تتعلق بالحكم وحقوق الإنسان والمرأة والشمول السياسي، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل سلطة الأمر الواقع التي تمسك بمفاصل الدولة.
ومن هنا، يستمر التواصل الأوروبي مع طالبان باعتباره أداة لإدارة ملفات المساعدات والأمن والهجرة، والحفاظ على قنوات التأثير، وتجنب الفراغ الدبلوماسي.
وبذلك تبدو السياسة الأوروبية أقرب إلى محاولة إدارة التناقض بدلاً من حسمه: الحفاظ على المبادئ المعلنة، مع التعامل مع المصالح والوقائع على الأرض. وهذا التوازن سيظل مرهوناً بمدى استعداد طالبان للاستجابة للمطالب الدولية، وبقدرة أوروبا على استخدام أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية للتأثير في مسار أفغانستان من دون الانزلاق إلى الاعتراف السياسي بها.

