تتصاعد المخاوف الأمنية على الطرق السريعة في إقليم بلوشستان جنوب غربي باكستان، مع تزايد حوادث اختطاف المركبات وحرقها والسطو وطلب الفدية، الأمر الذي ألحق خسائر كبيرة بقطاعي النقل والتجارة، ودفع كثيراً من المسافرين إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة، في مقدمتها السفر الجوي.
وبحسب تقديرات نقابات النقل والتجار، شهدت الطرق الرئيسية في الإقليم خلال الأشهر القليلة الماضية نحو 400 حادثة شملت حرق مركبات وسرقتها والسطو المسلح عليها وابتزاز أصحابها، فيما تُقدّر الخسائر المالية الناجمة عنها بنحو 10 مليارات روبية باكستانية.
وتتركز المخاوف بصورة خاصة على الطرق التي تربط كويتا بكراتشي وتافتان وإسلام آباد، وهي طرق حيوية لحركة المسافرين والبضائع بين عاصمة الإقليم والمدن الباكستانية الأخرى، فضلاً عن ارتباط بعضها بالمنافذ التجارية الحدودية.
رحلة تحولت إلى كابوس
في الخامس عشر من أغسطس/آب الماضي، كان محمد أشرف، أحد سكان منطقة شامان، عائداً من كراتشي برفقة أفراد من عائلته بعد شراء مستلزمات لحفل زفاف شقيقته. وبينما كانت العائلة تسلك الطريق بين كلات وسوراب، اعترض مسلحون مركبتها واستولوا عليها وعلى الذهب وبعض الممتلكات، وفق روايته.
يقول أشرف إن الحادثة تركت أثراً عميقاً على أفراد أسرته، ولا سيما النساء والأطفال، مشيراً إلى أن الخوف على سلامة أفراد العائلة كان أكبر من الخسارة المادية التي لحقت بالمركبة والممتلكات.
وتعكس هذه الحادثة، بحسب سكان ومسافرين، جانباً من واقع أمني بات يفرض نفسه على مستخدمي الطرق الرئيسية في بلوشستان، حيث لم تعد المخاوف تقتصر على سائقي الشاحنات والحافلات، بل امتدت إلى العائلات والمسافرين العاديين.
تراجع حركة الحافلات
وتظهر تداعيات الوضع الأمني بوضوح في قطاع النقل العام. ويقول حبيب الله باديزي، رئيس جمعية حافلات الركاب في كويتا، إن نحو 500 حافلة كانت تسير يومياً بين كويتا وكراتشي قبل تفاقم الوضع الأمني، لكن العدد انخفض حالياً إلى ما بين 15 و25 حافلة فقط.
ويشير باديزي إلى أن مدينة بيشين كانت تشهد خروج نحو 40 حافلة يومياً، بينما لا يتجاوز العدد حالياً ست حافلات، بسبب تراجع أعداد الركاب نتيجة المخاوف الأمنية.
ولا تقتصر الخسائر على توقف الحافلات أو انخفاض أعداد المسافرين، إذ يقول باديزي إن عشرات المركبات ومعدات الإنشاء تعرضت للحرق أو التدمير.
وبحسب تقديراته، جرى إحراق نحو 140 جرافة ومقطورة خلال الفترة الماضية، وتبلغ قيمة الجرافة الواحدة نحو 50 مليون روبية باكستانية على الأقل، ما يجعل الأضرار التي لحقت بالشركات والمقاولين كبيرة.
كما يقول إن أكثر من 50 حافلة ركاب ونحو 250 سيارة صغيرة تعرضت للسرقة أو الاختطاف، في وقت تقدر فيه جمعيات النقل قيمة الحافلة أو المقطورة الواحدة بنحو 50 مليون روبية.
الفدية تضيف عبئاً جديداً
ولا تتوقف تداعيات عمليات الاختطاف عند فقدان المركبات، إذ يقول أصحابها إن المسلحين يطالبون في بعض الحالات بمبالغ مالية مقابل إطلاقها، تتراوح بين 300 ألف و500 ألف روبية باكستانية.
ويؤكد نور محمد شاهواني، رئيس جمعية مالكي شاحنات نقل البضائع في بلوشستان، أن أكثر من 100 شاحنة ومركبة أخرى تعرضت خلال الأشهر الثلاثة الماضية للحرق أو السرقة أو الاختطاف، فيما أُطلق سراح بعض المركبات بعد دفع فدية.
ويضيف شاهواني أن بضائع غذائية وأرزاً كانت على متن شاحنات تعرضت للسرقة، وتقدر قيمتها بنحو 700 مليون روبية.
ويقول إن الوضع دفع بعض الناقلين إلى تجنب الطرق الأكثر خطورة، ولا سيما طريقي كويتا-كراتشي وكويتا-تافتان، مشيراً إلى أن حركة المرور تتوقف أحياناً بشكل كامل عندما تتصاعد المخاطر الأمنية.
ويضع ذلك قطاع التجارة أمام معضلة صعبة؛ فإما المخاطرة بإرسال البضائع عبر طرق غير آمنة، أو تحمل تكاليف إضافية نتيجة تغيير المسارات أو تأخير الشحنات، فضلاً عن الخسائر المباشرة الناجمة عن السرقة والحرق والابتزاز.
بين الفدية واتهامات الإرهاب
يواجه أصحاب شركات النقل معضلة أخرى تتمثل في دفع الفدية. ويقول باديزي إن الناقلين يجدون أنفسهم بين خيارين صعبين: دفع الأموال لإنقاذ المركبات أو رفض الدفع والمخاطرة بتدميرها، في وقت قد تعتبر فيه السلطات دفع الأموال للمسلحين نوعاً من المساعدة على تمويل الجماعات المسلحة.
ويصف باديزي الوضع بأنه “صعب وجديد” على قطاع النقل، منتقداً ما يعتبره غياباً لإجراءات حكومية عملية قادرة على توفير الحماية الكافية للناقلين والمسافرين.
وتتهم السلطات الباكستانية الجماعات المسلحة باستخدام الابتزاز للحصول على الأموال اللازمة لتمويل أنشطتها، في حين أعلنت جماعة جيش تحرير بلوشستان المحظورة مسؤوليتها عن عدد من الهجمات التي استهدفت الطرق والمنشآت والمركبات في الإقليم.
غير أن حجم الهجمات ودوافعها وتفاصيل بعض الحوادث تبقى موضع نقاش، في ظل صعوبة التحقق المستقل من جميع الوقائع في المناطق التي تشهد نشاطاً مسلحاً.
إجراءات أمنية في مواجهة الأزمة
وفي محاولة لاحتواء التدهور الأمني، جرى إنشاء 27 مركز استجابة مشتركة تضم الشرطة وقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات على الطرق الرئيسية في الإقليم، كما نُشرت قوة تعرف باسم “شرطة الطرق الساحلية” في منطقة مكران.
لكن هذه الإجراءات لم تبدد مخاوف الناقلين بشكل كامل، الذين يطالبون بإجراءات أكثر فاعلية لحماية المركبات وتأمين الطرق وتعويض المتضررين.
ويرى رئيس وزراء بلوشستان، مير سرفراز بوغتي، أن التعامل مع الجماعات المسلحة يواجه خيارات محدودة، متسائلاً عن إمكانية التوصل إلى حل عبر الحوار وحده مع جماعات تستخدم العنف.
ويقول بوغتي إن الخيار الآخر يتمثل في تكثيف العمليات العسكرية والأمنية بالتنسيق مع الحكومة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود اعتراضات سياسية وشعبية على العمليات العسكرية في الإقليم.
ويطالب رئيس حكومة بلوشستان القوى السياسية والمعارضة، وكذلك الأطراف التي تنتقد العمليات الأمنية، بطرح بدائل عملية للتعامل مع التحدي الأمني.
الطيران.. بديل مكلف
ومع تراجع الثقة بأمان الطرق، اتجه بعض المسافرين إلى الطيران، لكن هذا الخيار لم يكن متاحاً للجميع بسبب الارتفاع الحاد في أسعار التذاكر.
فقد ارتفعت أسعار الرحلات بين كويتا وكراتشي، وكذلك بين كويتا وإسلام آباد، من مستويات كانت تتراوح بين 18 و20 ألف روبية إلى نحو 85 و90 وحتى 115 ألف روبية في بعض الحالات، وفق ما ورد في المادة، الأمر الذي جعل السفر الجوي خياراً مكلفاً بالنسبة إلى غالبية السكان.
ويربط خبراء في قطاع الطيران ارتفاع الأسعار بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب نتيجة تراجع السفر البري، إلى جانب ارتفاع قيمة الدولار، وتراجع سعر صرف الروبية الباكستانية، وارتفاع تكلفة وقود الطائرات.
وهكذا تحولت الأزمة الأمنية على الطرق إلى أزمة تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى، إذ لم يعد تأثيرها مقتصراً على سلامة المسافرين، بل انعكس أيضاً على أسعار النقل وحركة التجارة وتكلفة السلع والتنقل بين المدن.
إنفاق أمني وطرق غير آمنة
وتثير هذه التطورات تساؤلات حول قدرة السلطات على تحقيق التوازن بين الإنفاق الأمني والنتائج الميدانية. فقد خصصت حكومة بلوشستان نحو 86.7 مليار روبية باكستانية في ميزانية الإقليم لهذا العام لقطاعات السلام والأمن والشرطة وقوات الأمن.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف بشأن أمن الطرق قائمة، وفق شهادات الناقلين والتجار والمسافرين، الذين يرون أن استمرار عمليات الاختطاف والسرقة وحرق المركبات يفرض كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة.
وفي المحصلة، لم تعد الطرق السريعة في بلوشستان مجرد ممرات للنقل والتجارة، بل أصبحت جزءاً من المشهد الأمني المتوتر في الإقليم. وبينما تحاول السلطات تعزيز الانتشار الأمني، يواجه قطاع النقل خياراً صعباً بين المخاطرة على الطرق أو تحمل تكاليف بدائل أكثر كلفة، في وقت تتراكم فيه خسائر التجار والناقلين وتتعاظم كلفة التنقل على السكان.

