لم يكن صعود حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021 نتيجة عامل واحد، ولا يمكن اختزاله في الانسحاب الأميركي أو القوة العسكرية للحركة وحدهما. فقد جاء سقوط الحكومة الأفغانية في لحظة التقت فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة، وجدت في طالبان، كلٌّ لأسبابه الخاصة، طرفاً يمكن التعامل معه أو الاستثمار فيه.
ومن بين أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بهذا التحول الأميركي زلماي خليل زاد، والروسي زامير كابولوف، والإيراني سيد حسن مرتضوي. وبالرغم من اختلاف مواقعهم والدول التي مثلوها، فالذي عاصر نشاطهم يرى أن الثلاثة أسهموا، بدرجات مختلفة، في تعزيز موقع طالبان وإضعاف خصومها.
ولا يعني ذلك أن هؤلاء الثلاثة كانوا يعملون وفق خطة مشتركة أو تحالف معلن، بل إن القاسم المشترك بينهم كان التعامل مع طالبان بوصفها حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها، ثم الانتقال تدريجياً من محاولة احتوائها إلى بناء قنوات مباشرة معها، في وقت تراجعت فيه مكانة الحكومة الجمهورية وحلفائها.
خليل زاد.. من التفاوض إلى إعادة ترتيب المشهد
كان الدور الأميركي الأكثر تأثيراً في مسار عودة طالبان إلى السلطة هو دور زلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي الخاص إلى أفغانستان، الذي تولى إدارة المفاوضات مع الحركة وانخرط في عملية سياسية انتهت بتوقيع اتفاق الدوحة في فبراير/شباط 2020.
أهمية خليل زاد لم تكن في كونه مجرد مفاوض أميركي، وإنما في أنه أصبح حلقة الاتصال الرئيسية بين واشنطن وطالبان. فقد ساعد في فتح قناة مباشرة بين الطرفين، وصولاً إلى لقاءات رفيعة المستوى، وأصبح التفاوض يجري عملياً حول مستقبل الوجود الأميركي ومستقبل النظام السياسي الأفغاني في الوقت نفسه.
ويرى منتقدو خليل زاد أن واشنطن، عبر مسار الدوحة، منحت طالبان شرعية سياسية متزايدة، في حين تراجعت مكانة الحكومة الأفغانية التي كانت شريكاً رسمياً للولايات المتحدة.
وكانت إحدى أكثر نتائج الاتفاق تأثيراً أن الحكومة الأفغانية لم تكن الطرف الموقع عليه، رغم أن تنفيذ الاتفاق كان سيترك آثاراً مباشرة على مستقبلها. وبذلك وجدت الجمهورية نفسها أمام مفاوضات تتعلق بمصيرها السياسي من دون أن تكون لاعباً رئيسياً فيها.
اتفاق الدوحة.. نقطة التحول
أدى الاتفاق الأميركي-طالبان إلى تحديد جدول زمني للانسحاب الأميركي، وربط مستقبل الوجود العسكري الأميركي بجملة من التعهدات التي قدمتها الحركة.
لكن الانعكاس الأهم كان نفسياً وسياسياً.
فمع إعلان الولايات المتحدة نيتها الانسحاب، بدأت مؤسسات الدولة الأفغانية، ولا سيما الجيش، تواجه سؤالاً جوهرياً حول استمرار الدعم الدولي. وباتت طالبان ترى أن الزمن يعمل لصالحها.
وفي المقابل، أصابت الرسالة الأميركية الحلفاء المحليين بقدر كبير من عدم اليقين: إذا كانت واشنطن قد قررت التفاوض مع طالبان حول مستقبل البلاد، فإلى أي مدى ستبقى مستعدة للدفاع عن النظام القائم؟
هذه المعادلة ساهمت في إضعاف الروح السياسية والعسكرية للحكومة الأفغانية السابقة قبل سقوطها النهائي.
ومن المهم هنا التمييز بين أمرين: فالقول إن خليل زاد “سلّم أفغانستان إلى طالبان” يمثل حكماً سياسياً على دوره، وليس واقعة يمكن إثباتها ببساطة. لكن من الصعب إنكار أن المفاوضات التي قادها أدت إلى فتح الطريق أمام انسحاب القوات الأميركية، وإلى تحويل طالبان من حركة مسلحة إلى طرف سياسي دولي يجري التفاوض معه على مستقبل أفغانستان.
كابولوف.. موسكو تكتشف طالبان من جديد
إذا كان خليل زاد قد ساهم في نقل طالبان من موقع الحركة المسلحة إلى موقع الطرف السياسي الذي تتفاوض معه واشنطن، فإن زامير كابولوف لعب دوراً مهماً في إعادة تعريف الحركة داخل السياسة الروسية.
كابولوف، الدبلوماسي الروسي المخضرم والمبعوث الخاص إلى أفغانستان، كان من أبرز المهندسين للانفتاح الروسي على طالبان.
وكانت موسكو تنظر إلى أفغانستان من زاوية مختلفة عن واشنطن. فبعد التدخل الأميركي عام 2001، أصبحت الأولوية الروسية مرتبطة بأمن آسيا الوسطى، ومنع تمدد الجماعات المسلحة إلى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ومواجهة النفوذ الأميركي قرب المجال الجغرافي الروسي.
ومن هذا المنظور، بدأت طالبان تتحول تدريجياً في الحسابات الروسية من خصم أيديولوجي إلى شريك محتمل في ملفات أمنية وسياسية.
مؤتمر موسكو
كانت اللقاءات التي استضافتها موسكو بين ممثلي طالبان وشخصيات سياسية أفغانية إحدى العلامات البارزة على هذا التحول.
فقد وفرت موسكو للحركة منصة دبلوماسية مهمة في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الأفغانية تواجه تراجعاً في الدعم الخارجي.
لم يكن ذلك اعترافاً رسمياً بحكومة طالبان، لكنه منح الحركة مساحة سياسية دولية وأظهر أن عواصم كبرى باتت مستعدة للتعامل معها مباشرة.
وبحسب القراءة التي يقدمها الكاتب، فإن كابولوف لم يكن ينظر إلى طالبان باعتبارها مجرد أحد أطراف النزاع، بل باعتبارها القوة الأكثر قابلية لأن تكون شريكاً لموسكو.
وتقوم هذه الرؤية، وفق النص، على أربع اعتبارات رئيسية: عداء طالبان للولايات المتحدة وحلف الناتو، ومواجهتها تنظيم الدولة الإسلامية، ومحاولتها الحد من تجارة المخدرات، إضافة إلى الاعتقاد الروسي بأن الحركة تمثل القوة الاجتماعية والسياسية الأكثر نفوذاً في البلاد.
لكن هذه القراءة نفسها كانت موضع انتقاد من أطراف أفغانية رأت أن اختزال المجتمع الأفغاني في قوة سياسية واحدة، أو التعامل مع طالبان باعتبارها ممثلة لأفغانستان بأكملها، يهمش المكونات السياسية والإثنية الأخرى.
من الحوار إلى الاعتراف
بلغ التحول الروسي مرحلة جديدة عندما اتجهت موسكو إلى إزالة طالبان من قائمتها للمنظمات الإرهابية، قبل أن تصبح روسيا في يوليو/تموز 2025 أول دولة تعلن رسمياً اعترافها بحكومة طالبان.
وبذلك انتقلت العلاقة من الاتصال غير الرسمي والحوار السياسي إلى الاعتراف الدبلوماسي.
وهنا تبدو أهمية الدور الذي لعبه كابولوف، حتى لو كان من الصعب اختزال قرار الدولة الروسية كلها في شخص واحد.
فالدبلوماسي يستطيع التأثير في صياغة السياسة، لكنه لا يصنع وحده التحولات الاستراتيجية الكبرى. فالاعتراف الروسي كان أيضاً انعكاساً لحسابات أوسع تتعلق بأمن الحدود الجنوبية لروسيا، والعلاقات مع آسيا الوسطى، ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، والمنافسة مع النفوذ الغربي.
ومع ذلك، فإن كابولوف ساهم في بناء القناة التي جعلت هذا التحول ممكناً.
مرتضوي.. إيران وطالبان: من الخصومة إلى البراغماتية
أما المسار الإيراني فكان الأكثر تعقيداً.
فالعلاقة بين إيران وطالبان لم تكن سهلة تاريخياً. فقد اقترب البلدان في بعض الملفات، وتصادما في ملفات أخرى، وبلغ التوتر ذروته في تسعينيات القرن الماضي عندما كانت إيران تنظر إلى طالبان باعتبارها تهديداً مباشراً لمصالحها وللشيعة في أفغانستان.
لكن سقوط نظام طالبان عام 2001، ثم الاحتلال الأميركي لأفغانستان، أعادا تشكيل الحسابات الإيرانية.
فالعدو المشترك مع الولايات المتحدة خلق، بصورة تدريجية، مساحة للتفاهم بين طهران والحركة.
ومن هنا بدأت البراغماتية تتقدم على الخصومة الأيديولوجية.
وفي السنوات التي سبقت الانسحاب الأميركي، أقامت إيران قنوات اتصال مع طالبان، واستضافت ممثلين عنها، وتواصلت معها باعتبارها قوة لا يمكن تجاهلها في أي تسوية سياسية أفغانية.
وفي هذا السياق يضع الكاتب سيد حسن مرتضوي، الذي مثل إيران في كابل، بوصفه أحد الشخصيات التي عكست هذا التحول في النظرة الإيرانية إلى الحركة.
وفق الرواية الواردة في النص الأصلي، كان مرتضوي يرى أن هزيمة الولايات المتحدة في أفغانستان تمثل مكسباً لإيران، وأن طالبان يمكن أن تؤدي دوراً في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والتيارات التي تعتبرها طهران خصماً أيديولوجياً.
لكن هذه الرؤية اصطدمت بمفارقة أساسية: الحركة التي كانت إيران تخشى منها في الماضي أصبحت، بعد سنوات، طرفاً يمكن لطهران التعاون معه في مواجهة خصوم مشتركين.
كيف استفادت طالبان من التناقضات؟
تكمن قوة طالبان في أنها لم تتعامل مع موسكو وطهران وواشنطن بالطريقة نفسها، بل استفادت من تناقض مصالح هذه القوى.
فمع الولايات المتحدة، قدمت نفسها باعتبارها الطرف القادر على ضمان خروج القوات الأميركية وإنهاء الحرب.
ومع روسيا، قدمت نفسها باعتبارها قوة قادرة على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ومنع الفوضى من الانتقال إلى آسيا الوسطى.
ومع إيران، استفادت من تقاطع المصالح في مواجهة الوجود الأميركي والحفاظ على قنوات نفوذ داخل أفغانستان.
وهكذا تمكنت طالبان من تحويل التنافس بين القوى الكبرى والإقليمية إلى فرصة استراتيجية.
فبدلاً من أن تواجه جبهة دولية موحدة ضدها، أصبحت تتعامل مع عواصم متعددة، لكل منها حساباتها الخاصة.
إضعاف الخصوم.. الوجه الآخر للقصة
لكن صعود طالبان لم يكن مرتبطاً بالدعم الخارجي وحده.
فالحكومة الأفغانية كانت تعاني من مشكلات بنيوية عميقة: الانقسامات السياسية، الصراع بين الرئاسة والقوى السياسية، ضعف المؤسسات، الفساد، الاعتماد الكبير على المساعدات الأجنبية، وتراجع الثقة الشعبية في النخبة الحاكمة.
كما أن الجيش الأفغاني ظل يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأميركي في مجالات التدريب والصيانة والاستخبارات والدعم الجوي.
وعندما قررت واشنطن الانسحاب، ظهرت هشاشة هذا النموذج بصورة واضحة.
لذلك، فإن تحميل ثلاثة دبلوماسيين مسؤولية سقوط الجمهورية بأكملها قد يكون تبسيطاً مفرطاً. لكن يمكن النظر إلى أدوارهم باعتبارها جزءاً من مسار دولي أوسع أدى إلى تطبيع التعامل مع طالبان، وإضعاف خصومها سياسياً، وتهيئة الظروف التي سمحت للحركة بالوصول إلى السلطة.
ثلاث مسارات.. ونتيجة واحدة
رغم اختلاف الدوافع، تقاطعت نتائج الأدوار الثلاثة في نقطة واحدة.
خليل زاد ساهم في فتح الطريق أمام الانسحاب الأميركي وإطلاق المسار السياسي المباشر مع طالبان.
كابولوف ساهم في نقل الحركة من موقع الخصم إلى موقع الشريك المحتمل في الحسابات الروسية، ثم دعم المسار الذي انتهى بالاعتراف بها.
أما المسار الإيراني فانتقل من العداء التاريخي إلى التعامل البراغماتي مع طالبان، على قاعدة المصالح الأمنية والإقليمية المشتركة.
ولم يكن أي من هذه المسارات منفرداً كافياً لإسقاط الجمهورية. لكن اجتماعها مع الانقسامات الداخلية، وضعف المؤسسات، وانسحاب القوات الأجنبية، وتراجع الدعم العسكري، منح طالبان فرصة نادرة لإعادة تشكيل ميزان القوى.
طالبان.. المستفيد الأكبر من صراع الآخرين
ربما تكمن المفارقة الأكبر في أن طالبان لم تكن بحاجة إلى أن تجعل الولايات المتحدة وروسيا وإيران تتفق على دعمها.
كان يكفيها أن تجعل كل قوة منها تجد مصلحة في التعامل معها.
فواشنطن أرادت إنهاء حرب استمرت عقدين، وموسكو أرادت شريكاً يحد من المخاطر القادمة من أفغانستان، وطهران أرادت بيئة لا تسيطر عليها الولايات المتحدة ولا تتحول إلى منصة لخصومها.
وفي المساحة الواقعة بين هذه المصالح المتعارضة، تحركت طالبان بمرونة سياسية كبيرة.
وهكذا لم تصل الحركة إلى كابول في أغسطس/آب 2021 بقوة السلاح وحدها؛ فقد سبقت دخولها إلى العاصمة عملية طويلة من إعادة التموضع السياسي والدبلوماسي، تحولت خلالها من حركة متمردة معزولة إلى طرف تتفاوض معه واشنطن، تستضيفه موسكو، وتتواصل معه طهران.
ومن هذه الزاوية، فإن قصة صعود طالبان ليست فقط قصة انتصار عسكري، بل قصة فشل الحكومة السابقة في الحفاظ على شبكة حلفائها، ونجاح حركة مسلحة في استثمار تناقضات القوى الدولية والإقليمية حتى أصبحت هي الطرف الذي لا يستطيع الجميع تجاهله.

