خلف الأسوار العالية للقصر الرئاسي في قلب العاصمة الأفغانية كابول، حيث تعاقب الملوك والرؤساء وقادة الحروب، تبدو السلطة في عهد طالبان مختلفة في مظهرها، لكنها لا تزال تتحرك داخل المكان نفسه الذي شهد مراحل متناقضة من تاريخ البلاد.
من ساحة دوار زنبق، مروراً بالطريق المحاذي لمدرسة أماني الثانوية وساحة أريانا، وصولاً إلى القصر الرئاسي، يمتد أحد أكثر الطرق ارتباطاً بتاريخ السلطة الأفغانية. بالنسبة إلى جيل عاش سنوات الجمهورية، تبدو هذه المنطقة جزءاً من ماضٍ قريب، بينما يراها آخرون اليوم للمرة الأولى بعدما ظل الوصول إليها محاطاً بإجراءات أمنية مشددة لعقود.
وللمرة الأولى منذ عودة طالبان إلى الحكم في أغسطس/آب 2021، سمحت السلطات بتصوير أجزاء من القصر الرئاسي بكاميرا تلفزيونية، في مشهد يكشف جانباً غير مألوف من حياة القيادة السياسية للحركة وطريقة عملها بعيداً عن الخطب الرسمية وصور الاجتماعات.
القصر الذي تغير حكامه وبقيت جدرانه
يختزن القصر الرئاسي، المعروف باسم “أرك”، أكثر من قرن من التحولات السياسية. فقلعته الحجرية كانت شاهدة على انتقال السلطة بين ملوك ورؤساء وأنظمة مختلفة، وعلى الانقلابات والحروب والتحولات التي أعادت رسم أفغانستان مراراً.
داخل الأسوار، تبدو آثار الزمن واضحة، لكن هيبة المكان لم تتغير كثيراً. الأشجار القديمة، أصوات المياه والحمام، والمباني المتعددة التي تضم مكاتب وقاعات اجتماعات ومساجد، تمنح المكان هدوءاً يتناقض مع التاريخ المضطرب الذي شهدته أروقته.
في الخامس عشر من أغسطس/آب 2021، كان العلم الأفغاني ذي الألوان الثلاثة لا يزال مرفوعاً في الصباح، قبل أن تحل محله راية طالبان البيضاء في وقت لاحق من اليوم نفسه، إيذاناً بانتهاء عهد الجمهورية وعودة الحركة إلى السلطة.
ومنذ ذلك التاريخ، تغيرت الوجوه والملابس والرموز داخل القصر، لكن المكان بقي نفسه تقريباً.
ففي عهد الحكومة السابقة، كان القصر مركزاً لصناعة القرار السياسي والأمني، واليوم يؤدي الوظيفة ذاتها تحت سلطة طالبان، وإن كانت منظومة الحكم وآليات اتخاذ القرار قد تغيرت بصورة كبيرة.
حكومة تعمل من غرفة متواضعة
المفارقة الأبرز تظهر عند الوصول إلى مكتب رئيس الوزراء الملا محمد حسن أخوند.
ففي المكان الذي يفترض أن يكون مركزاً لواحدة من أكثر الحكومات إثارة للجدل في العالم، لا تظهر مظاهر البذخ التي قد يتوقعها المرء من مقر رئيس حكومة.
غرفة متواضعة، وسرير أصفر قديم يجلس عليه الوزراء والزوار، وساعة معلقة على الحائط، تبدو وظيفتها مرتبطة إلى حد كبير بمواعيد الصلوات اليومية.
من هذه الغرفة تُدار ملفات حكومية متعددة، وتصل مطالب المواطنين والوزارات والشركات والوجهاء والعلماء والقضاة وغيرهم.
وحين سُئل رئيس الوزراء عن بداية يومه، قدم وصفاً لحياة عملية تبدو أقرب إلى جدول ديني وإداري صارم منها إلى نمط حياة سياسي تقليدي.
يقول أخوند إن أولويته هي معالجة الملفات التي تصل إلى مكتبه، سواء كانت مقترحات أو شكاوى أو مطالب من المواطنين والوزارات والشركات.
وبحسب روايته، فإنه لا ينتقل إلى مهمة جديدة قبل الانتهاء من الملف الذي أمامه، ثم يبدأ استقبال الوزراء والمسؤولين والوجهاء والعلماء ورؤساء المحاكم تباعاً.
ويستمر هذا النمط حتى يحين موعد الصلاة.
بهذه الطريقة، يقدم رئيس الوزراء نفسه بوصفه مسؤولاً يقضي معظم يومه داخل المكتب، لا سياسياً كثير السفر أو الاحتكاك بالفعاليات الخارجية.
لا أحب السفر
لا يبدو السفر جزءاً أساسياً من نمط حياة رئيس الوزراء.
فعندما سُئل عن جولاته في الولايات والمحافظات الأفغانية، ابتسم أخوند وقال إنه سافر كثيراً في الماضي، لكنه لا يحب السفر كثيراً الآن.
ويقول إن أصدقاءه ينصحونه بزيارة الولايات، لكنه يفضل إرسال نوابه ومسؤولين آخرين للقيام بهذه المهمة.
ويختصر فلسفته بالقول إن أداء واجبه، حتى لو كان بسيطاً، أكثر أهمية بالنسبة إليه من الترفيه أو الاسترخاء أو السفر.
“أجلس هنا من الصباح حتى المساء”، يقول رئيس الوزراء.
هذه الصورة تتعارض مع الصورة التقليدية لرؤساء الحكومات الذين يتحركون باستمرار بين العواصم والمدن، ويلتقون المسؤولين والشخصيات السياسية. لكن أخوند، وهو أحد أبرز الوجوه التاريخية في حركة طالبان، يبدو أكثر التصاقاً بنمط الحكم الداخلي منه بالدبلوماسية الخارجية.
هاتف بسيط وحياة بعيدة عن التكنولوجيا
حتى في استخدام التكنولوجيا، تبدو حياة رئيس الوزراء مختلفة عن الصورة النمطية لمسؤول حكومي في القرن الحادي والعشرين.
يقول أخوند إنه لا يحتاج إلى هاتف ذكي حديث وكبير، وإن استخدامه للهاتف محدود، ولا سيما أنه لا يستمع من خلاله إلا إلى الأخبار.
ويحتفظ بهاتف صغير وبسيط لا يشغله عادة إلا في الليل.
لكن بساطة الهاتف لا تعني انقطاع رئيس الحكومة عن المعلومات.
فهو يقول إن بإمكان المسؤولين المقربين منه الاتصال به في أي وقت إذا ظهرت قضية عاجلة، حتى خلال ساعات الليل.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: حياة شخصية متقشفة وأدوات اتصال بدائية نسبياً، مقابل مسؤول يقف في قمة هرم السلطة ويتلقى معلومات يمكن أن تتعلق بالأمن والإدارة في بلد واسع ومعقد.
كيف يعرف ما يجري في المحافظات؟
في بلد شهد عقوداً من الحرب، لا يمكن لرئيس الحكومة أن يعتمد على الاجتماعات المكتبية وحدها.
ولهذا يقول أخوند إن هناك جهة متخصصة تجمع المعلومات اليومية من جميع المحافظات، بما يشمل التطورات العسكرية والمدنية.
وتسمح هذه الآلية، وفق روايته، بنقل المعلومات بصورة عاجلة إلى القيادة عندما تقع مشكلة في إحدى المناطق.
ويكشف ذلك عن مركزية واضحة في إدارة الدولة؛ فالمعلومات القادمة من المحافظات لا تبقى محلية بالضرورة، وإنما يمكن أن تصل سريعاً إلى المستويات العليا في السلطة.
لكن هذه المركزية تفتح في الوقت ذاته سؤالاً أكبر حول طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والقيادات المحلية، خصوصاً في بلد اعتاد تاريخياً على وجود مراكز نفوذ متعددة، وعلى تفاوت كبير بين سلطة العاصمة والولايات.
من كابل إلى قندهار.. أين توجد السلطة؟
ربما يكون السؤال الأكثر تعقيداً هو: من يدير الحكومة فعلياً؟
فمنذ عودة طالبان إلى السلطة، برزت قندهار باعتبارها مركزاً مهماً لصنع القرار داخل الحركة، في حين بقيت كابول مركز الإدارة الحكومية والعلاقات الدبلوماسية والمؤسسات الرسمية.
وهذا التوزيع غير التقليدي للسلطة يجعل العلاقة بين القصر الرئاسي والقيادة العليا في قندهار واحدة من أكثر القضايا حساسية في فهم بنية الحكم الحالية.
الدكتور عبد الواسع خادم، رئيس مكتب رئيس الوزراء، يشرح أن القرارات الحكومية تمر عبر مستويات مختلفة بحسب طبيعة القضية.
فعندما تقدم وزارة أو مؤسسة رئيسية مقترحاً، يمكن أن يحال إلى المجلس الوزاري للنظر فيه، بينما تتولى مستويات أخرى من الإدارة متابعة القضايا بحسب اختصاصها.
لكن خلف هذه الإجراءات الرسمية تبقى مسألة النفوذ السياسي داخل الحركة حاضرة.
فطالبان ليست حزباً سياسياً تقليدياً، ولا تعمل وفق نموذج الحكومة البرلمانية الذي عرفته أفغانستان خلال الجمهورية السابقة. إنها حركة دينية وعسكرية تحولت إلى سلطة حاكمة، ولا تزال تحاول التوفيق بين بنيتها التنظيمية القديمة ومتطلبات إدارة دولة حديثة.
القصر.. أكثر من مبنى حكومي
داخل القصر، تظهر هذه المفارقة بصورة واضحة.
فالمكان الذي كان يوماً يستقبل رؤساء الدول والدبلوماسيين الأجانب ويشهد اجتماعات الحكومة والرئاسة، أصبح اليوم مساحة تلتقي فيها قيادات طالبان ومسؤولو الوزارات والوجهاء المحليون والشخصيات الدينية.
شوهد مسؤولون كبار يتناقشون في قضايا تتعلق بالأمن والاقتصاد والتنمية.
ومن بين هؤلاء رئيس أركان وزارة الدفاع فصيح الدين فطرت، ووزير الاقتصاد دين محمد حنيف، بينما ناقش وزير التنمية الحضرية والإسكان نجيب الله حياة حقاني ملف إنشاء مدن سكنية للعائلات الأفغانية العائدة من الخارج.
وتكشف هذه الاجتماعات عن اتساع الملفات التي باتت طالبان مطالبة بإدارتها.
فالحركة التي ركزت لعقود على الحرب والصراع العسكري تجد نفسها اليوم أمام ملفات مختلفة: الإسكان، الاقتصاد، التجارة، الإدارة المحلية، عودة اللاجئين، الأمن، العلاقات الخارجية، وإدارة مؤسسات دولة كاملة.
طالبان أمام إرث دولة لم تبنها
المفارقة التاريخية أن طالبان ورثت مؤسسات دولة صُممت خلال فترة الجمهورية، لكنها أعادت تشكيلها وفق رؤيتها السياسية والدينية.
حتى بعض المباني التي كانت مخصصة للمراسم والاتصالات في الحكومات السابقة تحولت إلى مكاتب وقاعات اجتماعات لقيادة طالبان.
الأبواب نفسها التي عبر منها الرؤساء السابقون، والممرات نفسها التي شهدت لقاءات دبلوماسية وسياسية، تستقبل اليوم قيادات الحركة.
وهكذا، فإن التغيير في أفغانستان لم يكن دائماً تغييراً في المكان، بل فيمن يجلس داخله ومن يملك حق اتخاذ القرار.
بين التقشف ومركزية السلطة
الصورة التي يقدمها رئيس الوزراء عن حياته اليومية هي صورة مسؤول يعيش ببساطة، قليل السفر، محدود استخدام التكنولوجيا، ويقضي معظم وقته في المكتب.
لكن بساطة المظهر لا تعني بساطة السلطة التي يمارسها.
فالرجل يقف على رأس حكومة تدير بلداً خرج من أربعة عقود من الحرب، وتواجه أزمة اقتصادية وإنسانية، وعزلة دبلوماسية، وتحديات أمنية، فضلاً عن خلافات داخلية حول شكل الدولة وعلاقاتها الخارجية.
ومن هنا، فإن السؤال عن حياة رئيس وزراء طالبان لا يتعلق فقط بما يأكله أو أين يجلس أو أي هاتف يستخدم.
السؤال الأهم هو: كيف يفكر هذا الرجل في إدارة دولة شديدة التعقيد من غرفة متواضعة داخل قصر تاريخي؟
الإجابة التي يقدمها بنفسه تقوم على العمل اليومي والانضباط الديني والاستماع إلى المسؤولين وحل المشكلات واحدة تلو الأخرى.
لكن إدارة الدولة الحديثة لا تعتمد فقط على شخصية رئيس الحكومة أو على ساعات العمل الطويلة.
إنها تحتاج إلى مؤسسات قوية، وآليات واضحة لصنع القرار، وتوزيع للصلاحيات، وقدرة على تمثيل المجتمع بمختلف مكوناته.
وهنا تكمن المعضلة التي تواجه طالبان.
فالحركة نجحت في العودة إلى السلطة والسيطرة على معظم أراضي البلاد، لكنها لا تزال أمام اختبار أصعب: تحويل سلطة الحركة إلى دولة قادرة على الاستمرار، وإدارة مجتمع متنوع، وبناء اقتصاد فعال، والحفاظ على الأمن، وإقامة علاقات طبيعية مع العالم.
القصر الذي يحتفظ بأسراره
مع غروب الشمس، يهدأ القصر الرئاسي تدريجياً.
الأشجار القديمة تبقى في أماكنها، وأصوات المياه والحمام تستعيد حضورها، فيما تغلق الأبواب التي شهدت مرور ملوك ورؤساء وقادة عسكريين.
لكن خلف هذه الجدران، يستمر نقاش أفغانستان القديمة والجديدة.
فالقصر لم يتغير كثيراً، لكن السلطة التي تسكنه تغيرت مراراً.
وفي بلد شهد الانقلابات والحروب والتدخلات الأجنبية وسقوط الأنظمة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع طالبان أن تجعل من هذا القصر مركزاً لدولة مستقرة، أم أن المكان سيواصل أداء دوره التاريخي بوصفه شاهداً على دورة جديدة من التحولات السياسية؟
ربما لا تكمن الإجابة في شكل القصر، ولا في السرير القديم داخل مكتب رئيس الوزراء، ولا حتى في الهاتف الصغير الذي يضعه إلى جواره ليلاً.
الإجابة ستكون في قدرة السلطة التي تجلس خلف هذه الجدران على الانتقال من منطق الحركة إلى منطق الدولة، ومن إدارة السلطة إلى بناء نظام سياسي قادر على البقاء.

