لم يكن توقيع الحكومة الأفغانية عقدًا بقيمة 200 مليون دولار مع شركة دلتا إنترناشيونال السعودية مجرد اتفاق جديد لاستكشاف النفط والغاز، بل حمل معه اختبارًا أكبر لقدرة الشركات الخليجية على الدخول في قطاع الطاقة الأفغاني وتحويل الوعود الاستثمارية إلى مشاريع فعلية على الأرض.
ففي 7 سبتمبر/أيلول 2026، وقّعت وزارة المناجم والبترول الأفغانية عقدًا مع الرئيس التنفيذي لشركة دلتا إنترناشيونال شاهر التقي، لاستكشاف واستثمار حقل كَشْك ــ تيربل النفطي في ولايتي هرات وبادغيس، بقيمة معلنة تبلغ 200 مليون دولار. وقالت الوزارة إن مساحة المنطقة تبلغ نحو 22 ألف كيلومتر مربع، وإن فترة الاستكشاف تمتد ثماني سنوات، بينما تصل مدة العقد إلى 25 عامًا.
لكن الإعلان عن الرقم الكبير لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل تمتلك دلتا القدرات والخبرة والتمويل الكافي لتحويل هذا العقد إلى إنتاج نفطي وغازي تجاري؟
من التفاوض إلى العقد
العلاقة بين الشركة السعودية والحكومة الأفغانية ليست وليدة الاتفاق الأخير. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، التقى نائب رئيس الوزراء الأفغاني للشؤون الاقتصادية عبد الغني برادر الرئيس التنفيذي لـ دلتا إنترناشيونال، وبحث الجانبان استكشاف الغاز واستخراجه وتوسيع خطوط الأنابيب. وأعلنت الشركة آنذاك استعدادها للاستثمار في قطاع النفط والغاز وتبادل خبراتها الفنية مع المهندسين الأفغان.
وفي سبتمبر/أيلول الجاري، وقبل توقيع العقد بيومين فقط، عقد وزير المناجم والبترول هداية الله بدري اجتماعًا مع شاهر التقي، وقالت الوزارة إن الطرفين بحثا فرص الاستثمار في استكشاف وتقييم واستخراج النفط والغاز. وكان الرئيس التنفيذي للشركة قد أبدى استعدادًا للاستثمار بعد التوصل إلى اتفاق مع الوزارة.
هذا التسلسل مهم؛ إذ يشير إلى أن عقد كَشْك ــ تيربل جاء بعد نحو عام من الاتصالات والمباحثات الفنية، وليس نتيجة تفاوض قصير الأجل.
ماذا ستفعل دلتا فعليًا؟
المشروع لا يعني أن الشركة ستبدأ غدًا بضخ النفط. فالمرحلة الأولى ستكون مرحلة استكشاف طويلة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر.
وبحسب ما أعلنته مصادر مرتبطة بالاتفاق، تشمل الأعمال الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية، والمسوح الزلزالية، وحفر الآبار الاستكشافية، وتقييم المكامن، بهدف تحديد حجم الاحتياطيات ومدى جدواها التجارية. وتغطي منطقة كَشْك ــ تيربل مساحة تقارب 23,317 كيلومترًا مربعًا وفق بيانات الشركة التي نقلتها وسائل إعلام أفغانية.
وهنا تظهر أول نقطة يجب الانتباه إليها: قيمة العقد ليست بالضرورة قيمة الأموال التي ستُنفق فورًا، ولا تعني أن الحكومة الأفغانية ستحصل على 200 مليون دولار نقدًا.
ففي عقود الاستكشاف والإنتاج، تكون القيمة المعلنة عادة إطارًا للاستثمارات والالتزامات التي ستنفذ خلال مراحل مختلفة، بينما يتوقف حجم الإنفاق الفعلي على نتائج الاستكشاف واكتشاف احتياطيات قابلة للإنتاج تجاريًا.
وبالتالي فإن نجاح الاتفاق لن يقاس بتوقيع العقد، وإنما بعدد الآبار التي ستحفر، ونوعية الدراسات التي ستنجز، وحجم رأس المال الذي سيدخل أفغانستان، وأخيرًا بقدرة الشركة على الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج.
هل دلتا شركة قادرة على تنفيذ المشروع؟
المؤشرات المتاحة تعطي للشركة خبرة في قطاع الطاقة، لكنها لا تسمح، في الوقت نفسه، بالتعامل معها باعتبارها واحدة من عمالقة النفط العالميين.
وتقدم «Delta Energy Group» نفسها بوصفها مجموعة تعمل في تطوير مشاريع الطاقة، وتقول على موقعها الرسمي إن لديها أكثر من 15 عامًا من الخبرة في قطاع تطوير الطاقة والخدمات المرتبطة به، وأنها تنفذ حلولًا تشمل التصميم والهندسة والمشتريات والتركيب والتشغيل، مع مشاريع في الشرق الأوسط وأفريقيا. كما تعرض الشركة قائمة بمشاريع مكتملة وعملاء في قطاع الطاقة.
وتشير تقارير صحفية أفغانية إلى أن «دلتا إنترناشيونال» ومقرها جدة تنشط في استكشاف النفط والغاز، وأن لديها خبرة في مشاريع إقليمية كبيرة.
لكن المشكلة في تقييم القدرة التنفيذية تكمن في الشفافية المالية وحجم المشاريع المماثلة. فالمعلومات العامة المتاحة لا توفر صورة كاملة عن حجم رأس مال الشركة، أو ميزانيتها العمومية، أو قدرتها الذاتية على تمويل استثمار بقيمة 200 مليون دولار على مدى سنوات، أو أسماء المؤسسات المالية التي ستشارك معها في تمويل المشروع.
وهذه نقطة جوهرية، لأن تطوير حقل نفطي في منطقة واسعة مثل كَشْك ــ تيربل يحتاج إلى إنفاق متدرج قد يرتفع بصورة كبيرة إذا أثبتت عمليات الحفر وجود احتياطيات تجارية.
الاختبار الحقيقي: التمويل
التمويل سيكون على الأرجح أول اختبار حقيقي للشركة.
فالاستكشاف النفطي يختلف عن مشاريع المقاولات التقليدية. الشركة تنفق أموالًا كبيرة قبل أن تعرف على وجه اليقين حجم العائد الذي يمكن تحقيقه. وإذا لم تظهر نتائج تجارية، فإن جزءًا كبيرًا من الأموال المستثمرة قد لا يعود.
ومن هنا فإن قدرة «دلتا» على تنفيذ العقد ستتوقف على ثلاثة عناصر مترابطة:
أولًا، رأس المال: هل تستطيع الشركة توفير التمويل المتفق عليه من مواردها الخاصة؟
ثانيًا، الشركاء الفنيون: هل ستعمل بمفردها أم ستدخل في شراكات مع شركات عالمية متخصصة في المسح الزلزالي والحفر وإدارة المكامن؟
ثالثًا، البنية التحتية: حتى إذا اكتشفت كَشْك ــ تيربل احتياطيات تجارية، فإن إنتاج النفط والغاز يحتاج إلى طرق، وخطوط أنابيب، ومنشآت معالجة وتخزين ونقل.
وهنا تصبح الاتفاقات الأخرى الموقعة بالتزامن مع عقد الاستكشاف ذات أهمية خاصة.
مشروع أكبر من حقل نفطي
الاتفاقات التي أعلنت في سبتمبر لا تقتصر على الاستكشاف النفطي. فقد أشارت تقارير إلى اتفاق منفصل لدراسة استخدام الغاز الطبيعي في هرات، بما في ذلك احتياجات المدينة والمنطقة الصناعية، إضافة إلى مشروع مقترح لخط أنابيب للغاز يبلغ طوله نحو 700 كيلومتر.
وهذا يعني أن المشروع، إذا انتقل إلى التنفيذ الكامل، يمكن أن يتحول من استثمار في حقل هيدروكربوني إلى منظومة طاقة تشمل **الاستكشاف والإنتاج ومعالجة الغاز والبنية التحتية والنقل والأسواق المحلية والإقليمية.
كما أن اهتمام الشركة بقطاع الغاز ليس جديدًا؛ فقد ناقشت مع الحكومة الأفغانية في 2025 فرص الاستثمار في الغاز وتوسيع خطوط الأنابيب، كما أبدت اهتمامًا بالمشاركة في تطوير مشروع خط أنابيب الغاز تابي
لماذا هرات وبادغيس؟
يمثل موقع كَشْك ــ تيربل عاملًا مهمًا في تقييم المشروع.
فالغرب الأفغاني قريب نسبيًا من إيران وتركمنستان، وهما دولتان ترتبطان بقطاع الطاقة والبنية التحتية الإقليمية. وإذا أثبتت عمليات الاستكشاف وجود احتياطيات كبيرة، فإن الموقع يمكن أن يمنح المشروع أهمية تتجاوز السوق الأفغانية الداخلية.
لكن الموقع نفسه يفرض تحديات لوجستية وأمنية. فالاستكشاف في منطقة شاسعة يحتاج إلى نقل معدات ثقيلة وأجهزة حفر وفرق فنية، إضافة إلى إنشاء البنية الأساسية اللازمة لإيصال الإنتاج إلى الأسواق.
ولهذا فإن نجاح العقد يتوقف جزئيًا على قدرة الحكومة الأفغانية على توفير بيئة تشغيل مستقرة، وتسهيل دخول المعدات والخبراء، وتوفير الأراضي والطرق والخدمات اللازمة للمشروع.
ما الذي يميز الاتفاق بالنسبة لأفغانستان؟
بالنسبة للحكومة الأفغانية، يمثل العقد فرصة لإظهار أن البلاد قادرة على جذب استثمارات أجنبية في قطاع الطاقة رغم استمرار عزلة الحكومة سياسيًا عن جزء كبير من المجتمع الدولي.
كما تراهن الحكومة على أن استثمار الموارد الطبيعية يمكن أن يوفر وظائف، ويزيد الإيرادات، ويخفض الاعتماد على واردات الطاقة.
لكن تجربة أفغانستان خلال العقود الماضية تظهر أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يعني تلقائيًا القدرة على استثمارها. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود النفط والغاز، وإنما في القدرة على تحويل الاحتياطي الجوفي إلى إنتاج تجاري مستدام.
ولهذا فإن عقد دلتا سيكون اختبارًا للنموذج الاقتصادي الذي تحاول الحكومة بناءه: هل يمكن جذب شركات أجنبية متوسطة وكبيرة، ومنحها عقودًا طويلة الأجل، ثم تحويل الاستثمار إلى إنتاج وإيرادات؟
بين التفاؤل والحذر
يبدو التفاؤل الرسمي واضحًا. فقد وصف وزير المناجم والبترول الاتفاق بأنه خطوة مهمة نحو استثمار الموارد الطبيعية وخلق فرص العمل، بينما اعتبر زلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان، أن حضور شركات دولية ذات خبرة يمكن أن يساعد في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.
لكن التقييم الاقتصادي يجب أن يبقى أكثر حذرًا.
فتره الاختبار
حدد العقد فترة استكشاف تبلغ ثماني سنوات، وهي فترة طويلة بما يكفي لإجراء مسوحات واسعة وحفر آبار استكشافية وتقييم المكامن. لكنها تعني أيضًا أن النتائج الاقتصادية الكبرى لن تظهر سريعًا.
وقد يكون المؤشر الأول على جدية الشركة هو بدء الأعمال الميدانية الفعلية، ثم وصول معدات الحفر والمسح، وتوظيف الخبراء، ونشر بيانات دورية عن تقدم المشروع. أما المؤشر الأهم فسيكون حفر الآبار وإثبات وجود احتياطيات قابلة للإنتاج التجاري.
وإذا نجحت تلك المرحلة، ستنتقل القضية من مجرد عقد استكشاف إلى سؤال أكبر: من سيمول تطوير الحقل؟ ومن سيبني المنشآت؟ وكيف سينقل النفط والغاز؟ ومن سيكون المشتري؟
عقد كبير.. واختبار أكبر
لا يمكن في الوقت الحالي القول إن «دلتا إنترناشيونال» غير قادرة على تنفيذ العقد؛ فالشركة تقدم نفسها باعتبارها صاحبة خبرة في مشاريع الطاقة، ولديها أكثر من 15 عامًا من النشاط في هذا المجال، كما أنها كانت تجري محادثات مع الحكومة الأفغانية منذ 2025 قبل الوصول إلى اتفاق 2026.
لكن في المقابل، لا تكفي المعلومات المتاحة لإثبات أنها تمتلك بمفردها القدرة المالية والتقنية على تطوير مشروع هيدروكربوني واسع بهذا الحجم.
والأرجح أن نجاح الاتفاق سيتطلب مزيجًا من تمويل سعودي، وشركاء تقنيين، ومقاولين متخصصين، وضمانات حكومية، وربما مستثمرين إضافيين، خصوصًا إذا تحولت عمليات الاستكشاف إلى مشروع إنتاج واسع وخطوط نقل للغاز.

