في غرب العاصمة الأفغانية كابل، لا تبدو قضية مجمع خاتم النبيين مجرد نزاع على قطعة أرض أو خلاف إداري حول ملكية عقار. فالمجمع، الذي أسسه المرجع الشيعي الراحل آية الله آصف محسني، تحول على مدى سنوات إلى واحدة من أبرز المؤسسات الدينية والتعليمية الشيعية في أفغانستان، قبل أن يدخل منذ عودة طالبان إلى السلطة في 2021 في دائرة من الإجراءات والقيود انتهت بمحاصرته ووقف أنشطته.
وتفتح القضية سؤالاً أوسع حول مستقبل المؤسسات والمشروعات الثقافية والدينية ذات الصلة بإيران في أفغانستان، وكيف تنظر طالبان إلى هذا الحضور بعد أن أعادت ترتيب علاقاتها الإقليمية، وفي مقدمتها علاقتها بطهران.
فإيران كانت على مدى عقود واحدة من أكثر الدول حضوراً في المجال الثقافي الأفغاني، مستفيدة من القرب الجغرافي والمذهبي، ومن الروابط التاريخية التي تجمعها بأجزاء واسعة من المجتمع الأفغاني، ولا سيما بين قطاعات من الشيعة. وشمل هذا الحضور دعم التعليم والثقافة واللغة الفارسية، وإقامة الفعاليات الثقافية، والتواصل مع المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية.
لكن عودة طالبان فرضت معادلة جديدة: كيف يمكن للحركة أن تحافظ على علاقاتها السياسية والاقتصادية مع إيران، من دون أن تسمح بتحول النفوذ الثقافي والديني الخارجي إلى نفوذ سياسي داخل أفغانستان؟
خاتم النبيين.. من مؤسسة دينية إلى قضية خلافية
تأسس مجمع خاتم النبيين في كابل في عهد آية الله آصف محسني، الذي كان من أبرز رجال الدين والسياسة لدى الشيعة الأفغان، وأسهم في تأسيس حركة إسلامية مؤثرة قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى العمل الديني والتعليمي.
ويضم المجمع مؤسسات دينية وتعليمية ومسجداً وقاعات ومكتبة ومرافق تعليمية للرجال والنساء، وتحول مع مرور السنوات إلى مركز مهم للنشاط الديني والثقافي لدى شريحة من الشيعة الأفغان.
غير أن وضع العقار أصبح محور الخلاف مع الحكومة الأفغانية الحالية.
وتقول السلطات إن الأرض التي أقيم عليها المجمع تعود إلى الدولة وكانت خصصت لبناء سكن لطلاب مدرسة خوشال خان، وإنها كانت قد استُخدمت خلافاً للغرض الذي خصصت له، ولذلك دخلت ضمن عملية أوسع لمراجعة الأراضي والعقارات التي تقول طالبان إنها أملاك حكومية جرى الاستيلاء عليها أو تخصيصها بصورة غير قانونية خلال الحكومات السابقة.
أما إدارة المجمع فتدفع بأن الأرض خُصصت في عهد الحكومة السابقة لإنشاء مشروع ذي منفعة عامة، وأن إجراءات تخصيصها استندت إلى وثائق وقرارات رسمية.
وبذلك تتقاطع في القضية مسألتان: الملكية القانونية للأرض من جهة، وحدود سلطة طالبان في مراجعة القرارات العقارية التي صدرت في عهد الجمهورية من جهة أخرى.
لكن حساسية القضية تتجاوز البعد القانوني، لأن المجمع يمثل مؤسسة دينية شيعية بارزة، ولأن أي إجراء بحقه يُقرأ داخل المجتمع الشيعي في سياق أوسع يتعلق بمستقبل مؤسساته الدينية والثقافية.
الحضور الإيراني.. ثقافة أم نفوذ؟
منذ عقود، عملت إيران على بناء حضور ثقافي في أفغانستان عبر مؤسسات ومراكز تعليمية وثقافية وإعلامية، مستفيدة من الحدود الطويلة والعلاقات التاريخية واللغة المشتركة.
وشملت الأنشطة الإيرانية إقامة المراكز الثقافية، وتنظيم معارض الكتب والفنون، وإقامة الندوات والفعاليات الأدبية، إلى جانب العلاقات مع الجامعات والمؤسسات التعليمية والدينية.
وكان هذا الحضور أكثر وضوحاً خلال العقود التي سبقت عودة طالبان، عندما شهدت أفغانستان انفتاحاً واسعاً على المؤسسات الثقافية والتعليمية الأجنبية.
غير أن طالبان تنظر إلى النشاط الخارجي من زاوية مختلفة. فالحركة، التي تسعى إلى تثبيت سيادتها على مؤسسات الدولة والمجتمع، لا تريد أن تتحول المؤسسات الثقافية أو الدينية المرتبطة بالخارج إلى مراكز نفوذ مستقلة عن سلطتها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات في العلاقة الأفغانية الإيرانية: طهران وكابل تحتاجان بعضهما بعضاً في ملفات الحدود والتجارة والمياه والطاقة واللاجئين، لكنهما لا تتعاملان بالضرورة بالطريقة نفسها مع المجال الثقافي والديني.
طالبان وإيران.. براغماتية سياسية وحدود ثقافية
لم تتبن طالبان، منذ عودتها إلى السلطة، سياسة قطيعة مع إيران. بل تطورت العلاقات بين الجانبين على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، واستمرت حركة التجارة والاتصالات الحدودية، كما لعبت إيران دوراً مهماً في استضافة ملايين الأفغان خلال العقود الماضية.
وفي الوقت نفسه، حافظت طالبان على حساسية واضحة تجاه المؤسسات التي يمكن أن ترى فيها امتداداً لنفوذ خارجي.
وهذا لا يعني بالضرورة أن كل مشروع ثقافي إيراني في أفغانستان يُعامل بوصفه مشروعاً سياسياً أو أمنياً؛ فهناك فارق بين المؤسسات الثقافية الرسمية وبين المؤسسات الدينية والتعليمية المحلية التي تعمل داخل المجتمع الأفغاني.
لكن الاتجاه العام لدى طالبان يبدو قائماً على قاعدة أوسع: الترحيب بالعلاقات مع الدول، مع محاولة إبقاء المؤسسات والنشاطات داخل البلاد تحت رقابة السلطة المركزية.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم قضية خاتم النبيين باعتبارها اختباراً لهذه القاعدة.
لماذا تثير المؤسسات الثقافية حساسية طالبان؟
تستند حساسية طالبان إلى عدة اعتبارات.
أولها أن الحركة تسعى إلى إعادة صياغة المجال العام وفق رؤيتها الدينية والسياسية، ولذلك فإن المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية لا تُترك بالكامل خارج نطاق الرقابة الحكومية.
وثانيها أن طالبان تنظر بحذر إلى النفوذ الخارجي، أياً كان مصدره، خصوصاً عندما يرتبط بمؤسسات دينية أو تعليمية يمكن أن تمتلك قاعدة اجتماعية مستقلة.
وثالثها أن تجربة العقود الماضية تركت أفغانستان ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية استخدمت الثقافة والتعليم والإعلام والدين كأدوات لبناء النفوذ، من إيران وباكستان إلى دول عربية وغربية.
ومن ثم، فإن ما تريده طالبان قد لا يكون بالضرورة إنهاء العلاقات الثقافية مع إيران، وإنما إعادة ضبطها بحيث لا تتجاوز القنوات التي تقبل بها سلطات الأمر الواقع.
سياسة جديدة تجاه النفوذ الثقافي
قد يكون ما يحدث في كابل جزءاً من تحول أكبر في طبيعة العلاقة بين أفغانستان وجيرانها.
فخلال سنوات الماضية، تنافست دول عدة على بناء نفوذ داخل أفغانستان عبر المنح الدراسية والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والمشروعات الدينية والإنسانية.
أما طالبان فتبدو أكثر حرصاً على منع تشكل مراكز نفوذ مستقلة داخل البلاد، حتى عندما تكون مرتبطة بدول تربطها بها علاقات جيدة.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تشهد بالضرورة اختفاء الحضور الثقافي الإيراني، لكنها قد تشهد إعادة تعريفه: من حضور واسع متعدد القنوات إلى نشاط أكثر ارتباطاً بالموافقات الرسمية والرقابة الحكومية.
وقد يطال ذلك المؤسسات الثقافية والتعليمية، والفعاليات العامة، والمراكز الدينية، والبرامج التعليمية، والعلاقات مع المؤسسات المحلية.
أرض حكومية.. ومشروع مختلف في الأصل
تعود جذور القضية إلى طبيعة الأرض التي أقيم عليها مجمع خاتم النبيين.
وبحسب المعطيات المتعلقة بملكية العقار، فإن الأرض كانت من أملاك الدولة الأفغانية، وكانت مخصصة في الأصل لإنشاء مساكن لطلاب مدرسة خوشال خان ختك في كابل.
غير أن استخدام الأرض تغير لاحقاً، إذ خُصصت لإنشاء مجمع ديني وتعليمي حمل اسم خاتم النبيين، وأصبح لاحقاً واحداً من أبرز المراكز الشيعية في العاصمة.
وتستند السلطات الحالية في اعتراضها إلى أن الأرض الحكومية لا تصبح ملكية خاصة لمجرد إقامة منشآت عليها، وأن أي تغيير في الغرض الذي خُصصت له الأرض أو نقل حق الانتفاع بها يجب أن يستند إلى إجراءات قانونية معترف بها.
القضية أبعد من جدران المجمع
بالنسبة لطالبان، قد تكون القضية جزءاً من حملة لاستعادة ما تعتبره أملاكاً للدولة وإعادة تنظيم المؤسسات التي نشأت خلال فترة الجمهورية.
أما بالنسبة لإدارة خاتم النبيين وأنصاره، فإن إغلاق أو تطويق مؤسسة بهذا الحجم يثير مخاوف بشأن مستقبل المؤسسات الدينية والتعليمية الشيعية.
وبين القراءتين، تبرز قضية ثالثة تتعلق بإيران: إلى أي مدى ستقبل طهران بتقليص المساحة التي بنت فيها نفوذاً ثقافياً ودينياً طوال عقود، في مقابل الحفاظ على علاقاتها السياسية والاقتصادية مع طالبان؟
فالعلاقة بين الجانبين لم تعد تقوم على الخصومة التي ميزت بعض مراحل الحرب الأفغانية، ولا على التحالف الأيديولوجي؛ وإنما أصبحت علاقة براغماتية تحكمها المصالح المتبادلة، مع بقاء ملفات خلافية حساسة.
خاتمة
من زقاق في غرب كابل إلى مراكز الثقافة والجامعات والمدارس الدينية، تبدو أفغانستان أمام إعادة رسم لخريطة النفوذ الثقافي.
وخاتم النبيين قد يكون إحدى أبرز محطات هذا التحول، ليس فقط بسبب النزاع على الأرض التي أقيم عليها، وإنما لأنه يقع عند تقاطع ثلاث ملفات: سياسة طالبان تجاه المؤسسات الدينية، وحدود النفوذ الخارجي، ومستقبل الحضور الثقافي الإيراني في أفغانستان.
فإذا كان النزاع عقارياً في ظاهره، فإن تداعياته تتجاوز حدود العقار. وإذا كان الحضور الإيراني ثقافياً في بعض جوانبه، فإن طالبان تبدو مصممة على ألا يتحول هذا الحضور إلى مساحة نفوذ مستقلة عن الدولة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع طهران وطالبان الحفاظ على شراكة سياسية واقتصادية متنامية، بينما يعاد رسم حدود النفوذ الثقافي والديني الإيراني داخل أفغانستان؟
